كارل بوبر: إخضاع العبارة العلمية للدحض المستمر ضرورة إبتسمولوجية
12 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
انتقد الفيلسوف النمساوي كارل بوبر المذهب الوضعي والرؤيا الشمولية، عندما قال: "إذا ما ظهرت لك نظرية على أنها الوحيدة الممكنة، فاعتبر ذلك مؤشراً على أنك لم تفهم النظرية، ولم تفهم المشكلة التي يفترض أن تحلها هذه النظرية"، فشهرته قامت على تعريفه للعبارة العلمية بأنها العبارة التي يمكن إخضاعها باستمرار لمعيار الدحض، فيُعد إخضاعها للضحد المستمر ضرورة إبتسمولوجية.
كان بوبر محظوظاُ لنشوئه في بيئة علمية بامتياز، فأبوه حاصل على درجة الدكتوراه، وكان أستاذاً للقانون في جامعة فينا ومحامياً، كما فتح عينيه على منزل مكتظ بالمؤلفات وبالمراجع الكبرى وأمهات الكتب الفلسفية وآيات التراث الإنساني. وقد حرص والداه على زرع حب المعرفة في عروقه منذ الطفولة، فكان يقرأ الكتب الفلسفية الكلاسيكية منذ نعومة أظافره، ويناقش مع والديه مشاكل اللامتناهي والماهية والجوهر.
اختص بوبر في نقد الذهب التجريبي، حيث اعتبر أن "تفسير المشاهدات في النهاية يقع على عاتق المشاهد، ويخضع لميوله وثقافته العلمية والنظرية التي كان يجري تجاربه في ضوئها، وعلى ذلك فمهما كان عدد المشاهدات ومهما كان التزامن بالاستقراء، فلن يكفي ذلك لتأييد الفروض العلمية الصحيحة، لكن على العكس لو أخضعت هذه الأخيرة إلى الدحض المستمر، فسيزيد ذلك من احتمالها ومحتواها التجريبي، وما تخبرنا به عن العالم" كما جاء في قاموس الفلاسفة للكاتب جمال هاشم.
وعلى الرغم من أن اسم بوبر ارتبط عند بعض الفلاسفة بحلقة "فيينا"، إلا أنه اختار الخوض في المجال الاجتماعي والسياسي رداً على هذا الموقف، حيث اعتبره اتهاماً. وما اهتمامه بالقضايا التي عالجها رواد حلقة "فينا" لم يكن إلا ردا على أفكارهم، وتعبيراً على الاختلاف مع الأطروحات التي تطرقوا إليها. ومن أجل ذلك، خصص بوبر كتابه الأول" "منطق البحث العلمي"، والذي نشره في المجلة التي كان يشرف عليها أصحاب الحلقة لتفنيد نظرياتهم وآرائهم.
يستدعي فهم فلسفة النمساوي كارل بوبر،الذي ولد في فيينا عام 1902، واشتغل استاذاً للمنطق والمنهج العلمي بجامعة لندن، واعتبر واحداً من أبرز فلاسفة العصر الذين خلفت بحوثهم آثاراً عميقة على التفكير الفلسفي والنقدي، وعلى الفلسفة السياسية في العالم المعاصر، التعرف على حلقة "فيينا" وأفكارها ورؤياها.
انطلقت حلقة فيينا بصورة علنية عام 1929، بعد إصدار أعضائها لبيانهم الشهير الذي يحمل عنوان"الفهم العلمي للعالم"، وقد اعتبر موريس شليك، مؤسس الحلقة، أن هذه الأخيرة قد وصلت إلى نقطة التحول الحاسمة في تاريخ الفلسفة، وأن هناك ما يسوغ بقرب انتهاء الصراع العقيم بين المذاهب الفلسفية؛ فالمحاولة الجديدة ستؤدي إلى الاستبعاد الجذري والنهائي للميتافيزيقا، كما جاء في كتابوداد الحاج حسن الموسوم بـ"رودولف كارناب نهاية الوضعية المنطقية".
قسمت جماعة "فيينا" القضايا العلمية إلى قسمين، قضايا تحليلية على سبيل المثال، قضايا العلوم الرياضية والمنطق، ويتجلى معيار صدقها في مطابقة الفكر لنفسه طبقاً لمبدأ عدم التناقض. وقضايا تركيبية كقضايا العلوم الطبيعية والتجريبية، والذي يعد معيار صدقها مطابقتها للواقع أو العالم الخارجي. وبناء على هذا التصور، يرى الوضعانيون أن وظيفة الفلسفة الأساسية هي تحليل لغة العلم والبحث فيها، ما سيمكن من الانتهاء من الجدل العقيم والبحث الماورائي، لتصبح بذلك تحليلاً منطقياً لغوياً للعبارات العلمية. وخلافاً لهذا الطرح، اقترح بوبر معياراً بديلاً للفلسفة الوضعية التي تعتمد بالأساس على التحقق التجريبي، وهو معيار القابلية للتكذيب؛ أي احتمال تكذيب النظرية العلمية، وفي ذلك ميز بين نوعين من القضايا، قضايا قابلة للتكذيب، وأخرى غير قابلة له. وبهذا الصدد قال: "ونحن على خلاف لهذه المحاولات المعادية للميتافيزيقا، لانرى أن من بين مهامنا تقويض الميتافيزيقا" كما جاء في مؤلفه "منطق البحث العلمي".
أثارت فلسفة بوبر ضجة عارمة في الساحة الثقافية؛ فبين مؤيدين ورافدين لنسقه الفكري، تخطى بوبر بأفكاره الحدود الأكاديمية، وأثر بفلسفته في ثلة من المفكرين و الفلاسفة، أمثال: برسي بريجمان، ألفرد لاند، دني غابور، وآخرون. وما يثير انتباه المتفقد لفكر بوبر هو أن تأثيره كان كبيراً على العلماء البارزين في العلوم الطبيعية والفيزياء أكثر من علماء الاجتماع والفلاسفة.
وعلى الرغم من أن الفيلسوف "بيكون" كان السباق في تفنيد بناء النظريات وتكذيبها، غير أن عبقريته التي تجلت في قدرته الهائلة على المزج بين الأفكار المتناثرة وصياغتها في فلسفة واحدة، مكنته من حصد مكانة بارزة على مستوى النقد للبناء المعرفي والإبستيمولوجي.
لم يكن هدف بوبر في تخصيصه لفصل كامل عن هيجل فهمه لفلسفته، بأكثر ما كان تدميره لها، الشيء الذي عاب عنه النقاد، فبدلاً من تسليط الضوء والكشف عن الحجج الدامغة في فكر هيجل، تمحور بوبرعلى انتقاذ هيجل، وبالتالي تحول الموضوع من قضية معرفية إلى مسألة شخصية. وقاد أثار هذا الموقف أيضاً، العديد من الأسئلة من قبل نقاد فلسفة بوبر في نقد هيجل، حيث اعتبروا أن بناءها يعود بالأساس إلى سوء فهم بوبر لفلسفة هيجل.
قارب بوبر بين الإبستمولوجيا والسياسة، الشيء الذي خلق نوعاً من العداء لأفكاره، خصوصاً من قبل مؤيدي فلسفة هيجل وماركس. كما أن مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسها هابرماس ، رفضت المقاربة البوبرية التي جمعت بين الإبستمولوجيا والسياسة. ويعود عدم تقبل أفكار بوبر إلى أسباب أيديولوجية أكثر منها منهجية، لأن ورثة فلسفة كارل ماركس وهيجل، اعتمدوا فلسفة رواده كعقيدة من الصعب تجاوزها، وكما قال بوبرفي كتابه "أسطورة الإطار: في الدفاع عن العلم والعقلانية": "أدرنو كان هيجلياً وبالمثل ماركسياً، وأنا معارض لكلا الاتجاهين للماركسية وبوجه أخص للهيجلية". وفي المصدر نفسه، أوضح بوبر بأن جماعة فرانكفورت أساءوا فهمه، وحاولوا الإنقاص من قيمته ورفضه كفيلسوف اجتماعي وسياسي، وبهذا الصدد قال:" لقد تعرضت للنقد بوصفي وضعياً". والسبب يعود إلى نزع بوبرصفة العلمية عن الهيغلية والماركسية.
للمفكر النمساوي بوبر العديد من المؤلفات، ونجد من أهمها كتاب" منهج العلم"، و"منطق الكشف العلمي".
ويعد المؤلفان "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، و"فقر التفسير"، الكتابان اللذان انتقد فيهما بوبر محاولة تفسير التاريخ بواسطة قوانين التطور، الذي في نظره لا يخضع لقوانين صارمة، والمجتمعات، وإن كانت تقوم في تطورها على قوانين؛ فنواميسها كالوراثة لا يمكن التنبؤ بها، فكما قال:" ليس العلم نسقاً من قضايا يقينية أو مبنية بناء صحيحاً، كما أنه ليس نسقاً يتقدم بانتظام نحو نقطة نهائية".
قدم بوبر في كتابه" منطق البحث العلمي" نظرية مهمة في فلسفة العلم، منهج الاستقراء الذي يقوم في صورته المبسطة على ملاحظة العناصر المشتركة بين الأمثلة الواقعية، وصياغة قاعدة عامة وصفية بناء على تلك المشتركات. ودعا إلى ضرورة إعادة النظر في مبدأ التحقق التجريبي، لأن هذا المبدأ لا يأخذ بعين الاعتبارالقضايا الميتافيزيقية نظراً لعدم قابليتها للتحقق التجريبي، كما أنه مبدأ سيؤدي إلى رفض الكثير من القضايا العلمية التي لاتتوفر على شرط القابلية للتحقق. علماً أن المبدأ الوضعي يرتكز بالأساس على معايير للتمييز بين القضايا ذات المعنى والقضايا غير ذات المعنى. فعندما نقول بأن الحديد يتمدد بالحرارة، انطلاقا من تجربة ماضية أو حاضرة، لايوجد أي سبب منطقي يضمن هذا التمدد في المستقبل، لأن التيقن الكامل في هذا المجال شيء مستحيل الحصول.
فإذا كان هذا المبدأ يعتبر معياراً للتمييز بين القضايا ذات معنى والقضايا غير ذات معنى، فإن النتيجة ستكون هي حذف القضايا الميتافيزيقية نظراً لعدم قابليتها للتحقق التجريبي، بل إن هذا المعيار سيؤدي بنا إلى رفض كثير من القضايا العلمية التي لاتتوفر على شرط القابلية للتحقق. فنحن في مجال الاحتمال وليس في مجال اليقين التام. وكل النظريات العلمية هي من هذا النوع، لايمكن التأكد من صدقها انطلاقا من وقائع تجريبية فردية. إذن الخطأ الذي ارتكبه الوضعانيون هو أنهم وضعوا مبدأ التحقق التجريبي كمعيار لقبول أو رفض أية قضية على أساس عدم قابليتها للتحقق، بالإضافة إلى ذلك يؤخذ عليهم اختزال مصادر المعرفة في التجربة أو الخبرة وإلغاء ماعداها، وهذا الموقف بعيد عن الروح العلمية التي تقتضي الانفتاح عن كافة مصادر المعرفة البشرية شريطة إخضاعها للنقد والمساءلة الموضوعية.
بعد أن أسس لفلسفة بوبرية توزعت بين رافضين وأتباع ، ولقيت انتشارًا في معظم أرجاء المعمورة بدرجات مختلفة من التأثير والرفض كسائر المذاهب والنظريات الفلسفية، وترجمت إلى 35 لغة بما فيها العربية والعبرية، غادر بوبر الحياة في 17 سبتمبر(أيلول) عام 1994، تاركاً وراءه إرثاً علمياً، ناقشاً اسمه كفيلسوف الانفتاح ورافض الشمولية.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

