رحلة في فلسفة العَلَامة لمحمد رسول
03 فبراير 2015 | 0 تعليق
كتاب "فلسفة العَلاَمة.. من جون سانت توماس إلى جيل دولوز" - (ذوات)
صدر، حديثا عن "دار الشؤون الثقافية" في بغداد، كتاب جديد للناقد والروائي العراقي، رسول محمد رسول، بعنوان "فلسفة العَلاَمة.. من جون سانت توماس إلى جيل دولوز"، يقدم فيها رحلة في المعرفة السيميائية، وتحديدا فلسفة العَلاَمة؛ من بذورها في العصر الحديث حتى نهاية القرن العشرين.
ويتضمّن هذا الكتاب، الواقع في 484 صفحة من الحجم الكبير، اثني عشر فصلاً، خصّصها الباحث العراقي للبحث في العلامات؛ أصلها، وتاريخها، وامتداداتها، وآفاقها.
وفي تقديمه لهذا الكتاب، الذي بذل فيه المؤلف جهدا علميا استثنائيا شأنه شأن كتبه ودراساته التي تجاوزت العشرين كتاباً، يقول رسول محمد رسول:"ونحن ندخل أبواب القرن الحادي والعشرين، تبدو السِّيميائية (Semiotic) بوصفها معرفة متنامية الحضور قد قطعت أشواطاً من العمل الدؤوب وهي تشيِّد كيانها المعرف. وعلى رغم أن جذور السِّيمياء تمتدُّ زمنياً إلى ما قبل سقراط إلى اليونان القديمة، عندما كانت العلامة (Sign) مدار بحث وتأمُّل بين عدد من فلاسفة الحكمة في ذلك الزمان؛ إلا أنها في القرن السابع عشر كان فتح آفاقاً جديدة لها، تلك الآفاق التي صارت ذخيرة معرفية لعدد من فلاسفة نهاية القرن التاسع عشر الذين استلهموا تلك الذخيرة وهم يمضون شطر القرن العشرين، قرن المعرفة السِّيميائية بامتياز". ويضيف رسول، الذي يشغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة عجمان بالإمارات العربية المتحدة، أنه حينما أصبحت العلامة جوهر المعرفة السِّيميائية (Semiotic knowledge) والحجر الأساس في منازلها، فإنها راقت للفلاسفة بأن تكون موضوعاً لتأمّلاتهم عبر القرون؛ لكن تلك التأمُّلات ما التحمت في سياق معرفي إلا في العصور الحديثة، وذلك عندما عمل الفيلسوف واللاهوتي البرتغالي جون سانت توماس أو (جون بوانسو)، في الثلث الأول من القرن السابع عشر، على إظهار لبناتها الأولى من خلال أبحاثه الفلسفية، وتحديداً المنطقية منها، وهو ما يتناوله الفصل الثاني من الكتاب.
وبعد توماس، انتبه الفيلسوف الإنجليزي جون لوك إلى أهمية السِّيمياء، فأفرد لها بعض وقته، واقترحها علماً قائماً برأسه. وكانت محاولته تلك فجراً مضاعفاً للسِّيمياء، بعد الفجر الذي سار في دروبه جون سانت توماس قبله. الفجر الذي ستنجلي خباياه في الفصل الثالث من الكتاب، حيث سيلقي الأضواء على تجربة لوك في هذا المجال.
ولما كان جون لوك قد طبقت شهرته الآفاق في زمانه، فإن معاصره الألماني جوتفريد فلهلم ليبنتز كان قد جارى وحاكى صديقه لوك في المسعى الفلسفي لدعم المعرفة السِّيميائية؛ إلا أن ليبنتز، وكما يكشف عن ذلك الفصل الرابع، ما كان أصيلاً في مسعاه حتى تُرك الأمر إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس الذي انخرط، بدوره، في دراسة العلامات والمعرفة السِّيميائية على نحو كشف عن مراس فلسفي تتلاقى فيه اللغة مع الكلام؛ وهو التلاقي الذي سيتناوله الفصل الخامس.
وفي الفصل السادس من هذا الكتاب، يكشف الباحث العراقي رسول محمد رسول أن المعرفة السِّيميائية وكذلك النَّظر في العلامات لم تعد حالة متطفلة على الفلسفة، فكانت التجارب الماضية موروثاً تمت استعادته من جانب فلاسفة نهاية القرن التاسع عشر؛ ومنهم الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس، الذي تأمَّل ما أنجزه جون لوك في القرن السابع عشر حتى استلهمه، ومضى به إلى نتائج باهرة عندما قعَّد المعرفة السِّيميائية على أصول فلسفية رصينة.
وفي الفصل السابع، أوضح رسول أنه في الوقت الذي انبرى فيه الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل ليصول باحثاً في ماهيَّة العلامات من خلال منهجه الفينومينولوجي، من حيث المزاوجة الجديدة التي دشنها هوسرل بين الفينومينولوجيا والسِّيمياء مطلع القرن التاسع عشر؛ في ذلك الوقت، كان عالم اللغويات السويسري فردنان دي سوسير قد أدرك رصانة وتاريخية مقترح جون لوك فعمل على استلهامها في محاضرات تم جمعها بعد وفاته؛ وهو ما يتناوله في الفصل الثامن من هذا الكتاب، حيث تأسيس العلاقة بين السِّيميائيات واللغة، واعتبار اللغة جزءا من علم العلامات (Semiology).
إن تلك التجارب كانت ذات أهمية قصوى في تاريخ المعرفة السِّيميائية، خصوصاً تجربة سوسير التي فتحت آفاقاً واسعة للسِّيمياء ومباحث العلامات في القرن العشرين؛ إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد أدلى الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر بدلوه في هذا المجال. وهذا ما يبحثه الفصل التاسع، وذلك عندما قاربَ فيلسوف الغابة السوداء بين العلامة والوجود؛ الأمر الذي كان منه تلاقي السِّيمياء بالأنطولوجيا على نحو تأصيلي، وهو ما استلهمه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي نذر حياته لنقد العلامة وتعرية أصولها الميتافيزيقية وهو يجادل سوسير وهوسرل في أول محاولة نقدية تكشف عن البنية الحجاجية التي لحقت المعرفة السِّيميائية، كما سيتعرَّف على ذلك القارئ في الفصل العاشر.
على أن الأمر لم يكن خافياً على الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، الذي ولج عالم العلامات من باب القراءة السَّردية التي كرَّسها لرائعة مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود"، (1913 - 1927)، ومن ثم انفراده ببناء رؤيته السِّيميائية للعلامات في ضوء مفاهيم العُمق الاشتدادي والاختلاف والتكرار والملاقاة؛ وهو ما يعرضه المؤلف في الفصل الحادي عشر.
وإذا كان الفصل الأول قد بحث طبيعة المعرفة السِّيميائية وعلاقتها بالباعث الفلسفي، فإن الفصل الثاني عشر قد خصَّصه المؤلف للنَّظر في أصل العلامات، ومن ثم معنى العلامة من منظوره الخاص به، حيث يقول المؤلف: "إن كتاب "فلسفة العلامة" يأتي بعد مخاض قرائي امتد لأربع سنوات سبقتها أعوام انهمكنا فيها بدراسات تطبيقية لمناحي البُعد السِّيميائي والعلاماتي في عدد من النُّصوص السَّردية، الروائية والقصصيَّة العربية في عدد من كتبنا، مثل: (الجسد في الرواية الإماراتية)، (2010)، و(العلامة والتواصل)، (2011)، و(اللمس والنظر)، (2013)، و(الأنوثة الساردة)، (2013)، و(شعرية المؤدى السردي)، (2014)؛ إلا تخصُّصنا في الفلسفة الحديثة زاد من فضولنا لكي نتعرَّف أكثر على القاع الفلسفي للمعرفة السِّيميائية، القاع شبه المجهول في القراءات السِّيميائية العربية الحديثة. ومن ثَمَّ، نعتقد أن كتابنا هذا سيردم بضع فجوات مًستفحلة بين ما هو سيميائي وما هو فلسفي؛ الردم الذي سيضعنا عند أدوار المعرفة الفلسفية عبر العصور في بناء العلامة وعلمها السِّيميائي".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

