(داعش) إذ يخلع الجغرافيا عن كاهليه ويعلن (الخلافة)
07 يوليو (تموز) 2014 18:00 | 0 تعليق
مقاتلون من تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" - (أرشيفية)
بدأت الحكاية بـ"ربيع سوري"، وانتهت اليوم، أو هكذا يعتقد بعضهم، ببروز نجم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، المعروفة اختصاراً بتنظيم "داعش"، الذي أصبح حديث صناع القرار والساسة والباحثين والإعلاميين، وربما يُصبح حديث كل الناس في الشرق والغرب على حد سواء.
تميز الحراك السوري، في أسابيعه الأولى ببروز تظاهرات مدنية، سلمية، قبل أن تتطور الأمور إلى تصعيد أمني جلّي لنظام بشار الأسد، فشاءت الأقدار أن يُعلن عن تأسيس "جيش سوري حر"، يضم عناصر عسكرية كانت محسوبة سابقاً على المؤسسة العسكرية، وموازاة مع هذا المنعطف، سوف تظهر حركات إسلامية "جهادية"، تقاتل الجيش النظامي، على غرار ما جرى في الحالة الليبية، وكانت أبرز هذه الحركات، جبهة "النصرة"، والتي، حتى مطلع العام الماضي، كانت أهم حركة إسلامية "جهادية"، تقاتل نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، متقدمة، في التنظيم والشعبية والحضور، على باقي "الجهاديين"، وفي مقدمتهم، التنظيم الذي أصبح يسود ويحكم اليوم، في أجزاء كبيرة من سورية (حوالي 40 في المائة من التراب السوري)، وجزء لا يُستهان به من العراق، بل وأصبح على بعد حوالي 120 كلم من الحدود السعودية: تنظيم "داعش" دون سواه.
تطورت الأمور اليوم إلى درجة إعلان زعيم التنظيم، المدعو أبو بكر البغدادي عن إقامة دولة الخلافة، ومطالبته لحوالي مليار ونصف المليار من مسلمي المعمورة بتقديم البيعة باعتباره "خليفة المسلمين" اليوم، في خطوة أفرزت سخطا عارما حتى داخل التيارات الإسلامية "الجهادية"، قبل باقي التيارات والفصائل، إخوانية كانت أم سلفية، أم صوفية.. إلخ، مع التأكيد بأن مُجمل هذه التيارات، "جهادية، وسياسية ودعوية، تُشكل أقلية تنظيمية في المجال الإسلامي.
البغدادي الذي ينحدر من سامراء، ويقيم في بغداد، اعتبر أنه "تتوفر فيه جميع شروط الخلافة التي ذكرها أهل العلم"، دون أن يوضح أياً من تلك الشروط.
ثمة سؤال مؤرق لا زالت العامة والخاصة تبحث عن بعض معالم أجوبته، في معرض قراءة هذه التحولات السريعة في أحداث الساحة السورية والعراقية: كيف صعد نجم "داعش" بهذه الصيغة؟
دون الخوض في تفاصيل تعشقها الشياطين، يمكن أن نختزل أهم مراحل هذا التضخم التنظيمي للداعشيين في أربع محطات أساسية، تفاعلت فيما بينها، وأفرزت لنا تنظيم "داعش" الذي يصنع الحدث اليوم:
1 ـ هناك قاسم مشترك في النواة الأولى المؤسسة للتنظيم، وهي التعرض لانتهاكات حقوقية من طرف نظام بشار الأسد، سواء تعلق الأمر بانتهاكات تمت قبل اندلاع أحداث الحراك، أو انتهاكات تمت بُعيد اندلاعه.
2 ـ يبقى القاسم المشترك الأهم الذي ساهم في ارتفاع أسهم التنظيم في عز الصراع أو التدافع التنظيمي والميداني مع جبهة "النصرة"، الإغراء الذي يجلبه الترويج لحُلم "دولة الخلافة"، وهو حُلم يُعتبر قاسماً مشتركاً لدى أغلب الحركات الإسلامية، التي تُفضل عدم الإفصاح عنه، أو تؤجل الخوض فيه لأن إكراهات الساحة لا تسمح بالإعلان عن مقتضيات الحلم بشكل صريح وواضح، مع استثناء مواقف حزب التحرير بفروعه العربية والغربية؛ وبسبب هذه الجزئية بالذات، سوف يتجاهل البغدادي نداءات الظواهري بخصوص فسح المجال لأعمال "جبهة النصرة"، ليُوسّع عملياته في شمال وشرق سوريا عامي 2012 و2013.
"داعش" تتمدد وتخلع الجغرافيا عن كاهليها، وتعلن "الخلافة"، لكنّ المسلمين لا يدخلون تحت عباءة أبي بكر البغدادي أفواجاً، كما توهم الرجل
3 ـ هناك عامل ثالث لا يقل أهمية في تغذية التضخم التنظيمي الذي يمر منه التنظيم اليوم، وهو قدوم قواعد جهادية من ثلاث مناطق: هناك أولاً الجهاديون الشيشان، من ذوي الخبرة الميدانية في الحرب الشيشانية، وهناك ثانياً الجهاديون القادمون من دول المغرب المغربي تونس والمغرب على الخصوص، حتى إن وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو، أعلن مؤخراً أن حوالي ألفين و400 تونسي يقاتلون حالياً في سوريا، غالبيتهم في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، مقابل إقرار العديد من التقارير الأمنية المغربية عن وجود ما يقارب 1500 جهادياً مغربياً ضمن التنظيم)، وهناك أخيراًـ الجهاديون القادمون من القارة العجوز: أوروبا، إلى درجة أن الأجهزة الأمنية الأوروبية عقدت العديد من اللقاءات خلال السنة الماضية (في لندن وباريس على الخصوص)، من أجل التباحث والتنسيق في "النازلة الداعشية". وبعد الأخذ بعين الاعتبار الثقل التنظيمي لهذه الأفواج الجهادية، مطلوب إضافته على الثقل التنظيمي لجهاديي العراق، وفي مقدمتهم البغدادي ومن معه، وجل هؤلاء من التيار الجهادي المحسوب على الأردني الصريع أبو مصعب الرزقاوي.
4 ـ بيد أن أهم عامل ساهم في الصعود اللافت لنجم "داعش" خلال الأسابيع الأخيرة تحديدا، وهو الصعود الذي خَوّل للبغدادي الزعم بأنه "خليفة المسلمين"، ويتعلق بتطورات الساحة العراقية، فقد تأكد أن التنظيم يحظى بشعبية كبيرة من طرف سنة العراق الذين عانوا الأمرّين من سياسات نظام ما بعد صدام حسين، أي سياسة نظام طائفي، كان موالياً استراتيجياً لإيران، ومن هنا الترحيب الكبير الذي حظي به التنظيم من طرف مختلف الفصائل السنية في العراق، سواء كانت إسلامية حركية أم لا، حيث إن اللحظة بالنسبة لهؤلاء، كانت، ولازالت فرصة لتصفية حسابات دينية وطائفية ضد نظام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
فوق هذه المعطيات الذاتية، أو المحلية، والخاصة بالمجال التداولي الإسلامي العربي (السني والشيعي، وبغية توسيع أفق "الجولة الطائفية" في هذا المشهد السريالي)، يتعين إضافة عامل خارجي وازن، يتعلق برهانات العديد من الأنظمة الإقليمية في المنطقة، وفوقها حسابات الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع، لأن تأمل أداء التنظيم (الاحترافية في الأداء، نوعية الأسلحة، سرعة التقدم و"الغزو"..) يطرح علامات أسئلة أكثر مما يُقدم أجوبة، حول تواطؤ أجهزة أمنية واستخباراتية في لعبة إقليمية، تختلف فيها حسابات الدين والسياسة والأمن، من أجل تحقيق أحلام الشريعة والخلافة عند البعض، والنفط والمال عند البعض الآخر.
"داعش" تتمدد وتخلع الجغرافيا عن كاهليها، وتعلن "الخلافة"، لكنّ المسلمين لا يدخلون تحت عباءة أبي بكر البغدادي أفواجاً، كما توهم الرجل ذو العباءة السوداء التي تتقاطع مع أيامه الموعودة..
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

