باحثون يرصدون جمالية الإبداع في الخطاب الصوفي
20 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
جانب من الجلسة الثالثة للندوة حول "الخطاب الصوفي والإبداع الجمالي" - (ذوات)
استعرض باحثون مغاربة مجموعة من مظاهر الإبداع الجمالي التي تميز الخطاب الصوفي عموماً، من خلال مجموعة من التجليات التي تتنوع ما بين مكون اللغة في الخطاب الصوفي الذي يجعل الخطاب متعالياً عن أنماط الاستعمال اللغوي ذي النسق العقلي المجرد، كلغة ابداع عرفاني تزايل أنماط الإبداع برمتها، وكذلك من خلال مكون الطرب والسماع في هذا الخطاب بصفته ممارسة روحية فنية جمالية ترتبط بخصوصية النسق الصوفي سلوكا وتسليكا، ولا أيضاً من خلال التجليات الواقعية للخط العربي لدى المتصوفة كعلاقة نورانية خاصة تربط الخطاط بالخالق جل وعلا بفضل ممارسة هذا الفن الرباني الراقي.
واستمرت أشغال الجلسة الثالثة من الندوة التي عقدتها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بمدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة أكدال الرباط، بتنسيق مع فريق بحث مسارات الخطاب الصوفي، والتي ناقشت على مدى يومي 19 و20 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، موضوع "الخطاب الصوفي وأبعاده المعرفية والحضارية"، بتدخلات مجموعة من الباحثين في محور الجلسة الثالثة بعنوان "الخطاب الصوفي والإبداع الجمالي"، والتي سيرها الدكتور أحمد كازي.
اللغة في الخطاب الصوفي
وابتدأت الجلسة بالمداخلة الأولى التي ألقاها الدكتور رشيد اكديرة بعنوان "اللغة الصوفية أو لغة الخرقين المرجعي والمعياري"، التي شرح فيها أهمية اللغة في مكونات التواصل الإنساني، بصفتها مظهرا أجلى، فضلاً عن كونها نظاماً من العلاقات الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية، وكذلك كونها تشكل قدرة تواصلية منجزة في مختلف السياقات المقامية والمقالية في النسق الاستعمالي التداولي المحدد، كما استعرض بعضاً من الضوابط والقواعد التي فصل فيها علماء اللغة التداوليون، من بينها "اللغة العادية، أو لغة الاستعمال المنضبط بالمعيار" والتي تقوم فيه اللغة بنقل المفهومات والدلالات نقلاً مباشراً خِلواً من العناصر الجمالية، والمكونات الإنشائية بالتعبير اللساني الشكلاني، حيث تتجسد اللغة خطاباً معيارياً، وعبارات لا تعبيرات، ثم من خلال العنصر الثاني الذي سماه بـ "اللغة الشعرية أو لغة الإبداع الجمالية"، والذي تضحى فيه اللغة حلولاً جمالياً، إذ تتأنق بمختلف صور الخطاب من تشبيهات واستعارات وكنايات وانزياحات، بل وقد تزدهي اللغة الشعرية بتوظيف الرمز والأسطورة باعتبارها شكلين من أشكال البناء الفني والرؤيا الشعرية، يوضح الدكتور اكديرة. قبل أن يعرج على صلب الموضوع من خلال ضابط "اللغة الصوفية أو لغة الخرقين المرجعي والمعياري"، الذي رأى فيه أن لغة الخطاب الصوفي تتميز بالخطاب المتعالي عن أنماط الاستعمال اللغوي ذي النسق العقلي المجرد، كلغة إبداع عرفاني تزايل أنماط الابداع برمتها، رغم كونه مكتوباً بلغة المجموعة الانسانية اللغوية، إذ أن الإبداع يصدر عن تجربة وجودية لا عن وجود لغوي، وهي بالتالي تجربة وجدانية معيشة في مختلف مقامات الوجد الروحي.
التربية الطرب والسماع عند المتصوفة
أما الدكتور محمد التهامي الحراق، ومن خلال مداخلته التي كانت بعنوان "التربية بالطرب عند الصوفية: مقاربة في الأصول والوظائف والتحولات"، فقد حاول إحداث مقاربة متوازنة حول سؤال التربية بالطرب في النسق الصوفي من إشكالات وقضايا، انطلاقا من مجموعة من البحوث العلمية التي تمتد بين تحقيق النصوص المخطوطة وأيضاً دراسة الموروث الصوفي المكتوب والمنشد والمعيش على مختلف المستويات التاريخية والأدبية والفقهية والفلسفية والموسيقية والاجتماعية والسيميائية، قبل أن يستطرد في توسيع مفهوم التربية بالطرب لدى الصوفية من خلال عدة أبواب، أبرزها "مفهوم التربية عند الصوفية" الذي خلص فيه إلى أن أبرز علاماته الصوفية، تتجلى في كونها عروجاً بالنفس من طور التطهير من "الحظوظ واللحوظ" إلى طور "السفر اللانهائي في معرفة المحبوب"، وأيضاً في موضوع "السماع: إضاءات حول تشكل المفهوم ووظائفه" الذي اعتبر فيه ظهور مصطلح السماع، الذي جاء بعد قيام علم التصوف ما بين خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، مصطلحاً أحال على ممارسة روحية فنية جمالية ترتبط بخصوصية النسق الصوفي سلوكاً وتسليكاَ، وأيضا كاصطلاح مشترك مع حقول معرفية متجاوزة كعلوم الحديث وعلم الكلام والنحو بالإضافة كذلك لما يحمله من مفهوم التفرد والمغايرة في الحقل العرفاني.
الخط العربي وتجلياته عند المتصوفة
من جهتها حاولت الدكتورة مجدولين النبيهي في مداخلتها التي كانت بعنوان "أثر التصوف في الخط العربي: نماذج من روحانية الخط المغربي"، نحاول، استجلاء بعض أسرار الخط العربي، وكذا التأمل في الأبعاد الجمالية والروحية لحروفه وتشكيلاته باعتبارها رموزاً حاملة لمعان أزلية، ومظاهر لموهبة ربانية سامية أكرم الله بها خطاطي هذه الأمة، وقدمت في المحور الأول "تأملات في المسارات التاريخية المفترضة" التي أوردتها المصادر في ما يخص نشأة الخط العربي وتطوره، مبرزة الخصوصية الروحية لهذا الخط، وكذا الدفاع عنه، كونه توقيفاً وإلهاماً ربانياً.
أما في المحور الثاني الذي خصصته "لعلاقة الخط بممارسيه من الكتبة والخطاطين"، فأبرزت النقلة الكبيرة التي عرفها الخط العربي في المستوى الجمالي بفضل كتابة القرآن الكريم وخط معانيه الجليلة، ورصدت في محور مداخلتها الثالث والأخير علاقة الخطاط بشيخه في علم الخط وممارسته، وكذا علاقة عدد منهم بشيوخهم في التربية والسير إلى الله، خاصة بالذكر، تجربة المغاربة في هذا الباب. قبل أن تستنتج العلاقة النورانية الخاصة التي تربط الخطاط بالخالق جل وعلا بفضل ممارسة هذا الفن الرباني الراقي، من جهة، وبفضل علاقة الأدب والتعظيم والامتثال التي تربط الخطاط بشيخه من جهة أخرى.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

