الشيخ مصطفى عبد الرازق: رائد الأصالة والمعاصرة
16 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

المفكر المصري الشيخ مصطفى عبد الرازق - (ذوات)
ذوات - المهدي حميش

ما ميّز حقيقة الحياة الإبداعية للمفكر العربي الشيخ مصطفى عبد الرازق، تنوعها بين التأليف والتدريس في مجال الفلسفة، وكذا مجالات الفقه والأدب والحياة الاجتماعية والعلمية كذلك، ولذلك فقد استحق بجدارة كما يشهد له العديدون، مرتبة رائد من رواد الفكر العربي لا على مستوى بلده مصر، ولكن على مستوى باقي بلدان العالم العربي.

وهنا لا بد أن نركز على جانب مهم من حياة الشيخ مصطفى عبد الرازق الفكرية والاجتماعية في ارتباطها بمجهوداته البارزة  خصوصاً في ما يتعلق منها بالفلسفة وصلتها بالتنوير، جامعاً هناك ما بين النظر والعمل، بين الفكر من جهة والإصلاح الاجتماعي من جهة أخرى، فقد تلقى مصطفى عبد الرازق دراسته على يد الإمام محمد عبده، واستفاد منه خير استفادة خصوصاً عندما نتحدث على تشابههما في الانفتاح على الفكر الغربي، واهتمامهما بالفكر العربي وتراثه في نفس الوقت، وكذا الاهتمام بالفلسفة في مجال علم الكلام أو ما خلفه الفلاسفة العرب من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا. لقد استطاع مصطفى عبد الرازق- كما معلمه عبده- أن يمزج بين الفكر العربي من جهة وحضارة الغرب من جهة أخرى، حيث لم يتمسك بالتراث لمجرد أنه تراث، ويرفض حضارة الغرب وعلومه وفلسفته.

ولد الشيخ مصطفى عبد الرازق عام 1885 في أسرة مصرية عريقة بقرية أبو جرج في محافظة المنيا إحدى محافظات الوجه القبلي في صعيد مصر، وتلقى تعليما أكاديميا في جامع الأزهر، قبل أن توافيه المنية في 15 فبراير عام 1947.

اهتم مصطفى عبد الرازق بدراسة ما ترك فيلسوف العرب الكندي، والفارابي الذي أطلق عليه لقب المعلم الثاني، بعدما كان هناك فقط معلم أول هو أرسطو. وأصدر لذلك كتابه الشهير "فيلسوف العرب والمعلم الثاني"..

من يقرأ لمصطفى عبد الرازق  كتابه "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية" ويقرأ لمحمد عبده كتاب "الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية"، يستطيع أن يجد بوضوح كيف اتفق المعلم وتلميذه على الأخذ من الثقافة الغربية الكثير، وكيف استطاعا أن يُميزا بين من يوافق المعقول وقبوله، وبين رفض ومعارضة ما ليس قريباً من الواقع والحقيقة في نظرهم، ولذلك ذهب مصطفى عبد الرازق مذهب محمد عبده في تقوية طرح التنوير عندما نادى بالأصالة والمعاصرة؛ أي العقل والتراث في العالم العربي من مشرقه وحتى مغربه، حيث قدم حلاً لهذه الأصالة والمعاصرة في الجمع بين التراث بصفته تاريخنا، وتمثيله لواقعنا المشرق والحضارة الغربية بصفتها رافداً حضارياً مهماً، يؤخذ منه بقدر ما يتفق مع تراثنا من علوم وفلسفات وآداب وغيرها.

دراسة الشيخ مصطفى عبد الرازق في فرنسا، بجامعة السوربون عام 1909، وتلك المحاضرات التي كانت يحضرها لعالم الاجتماع الفرنسي "إيميل دور كهايم"، وصلت بدرجاته ليصبح بعدها مدرسا بجامعة ليون بفرنسا في الشريعة الإسلامية، وفي الأدب العربي وكذلك اللغة العربية، وذلك لما يربو عن 6 سنوات كانت كافية له ليتقلد عدة مناصب سامية في مصر بعد عودته إليها عام 1915، منها مشيخة الأزهر التي خلف فيها الشيخ مراغي، قبل ان يشغل بعد ذلك منصب وزير للأوقاف ما بين سنتي 1938 و1944.

ما تلقاه الشيخ مصطفى عبد الرازق على مدى مساره الفكري المتوازن، سيؤهله بعدها ليصبح أول أستاذ مصري يحاضر في مادة الفلسفة الإسلامية، وذلك مع تأسيس الجامعة المصرية عام 1925، والتي أصبحت فيما بعد تسمى بجامعة القاهرة، وذلك لتميزه الباهر في الجمع بين الفكر الفلسفي والفكر الديني والفكر الأدبي، بل وكانت مساهماته كثيرة في التعريف بكبار المفكرين والفلاسفة الكبار أمثال الكندي والفارابي والليث بن سعد وفخر الدين الرازي، وكانت له ترجمات عديدة، من بينها على الخصوص، ترجمته للغة الفرنسية، "رسالة التوحيد" لصاحبها محمد عبده.

اهتم مصطفى عبد الرازق بدراسة ما ترك فيلسوف العرب الكندي، والفارابي الذي أطلق عليه لقب المعلم الثاني، بعدما كان هناك فقط معلم أول هو أرسطو. وأصدر لذلك كتابه الشهير "فيلسوف العرب والمعلم الثاني"، وذلك فيما اعتبره العديدون ردة فعل غير مباشرة على آراء المستشرقين الذين كانوا يقولون بأنه لا توجد للعرب دروس فلسفية ولا فلاسفة. ولم يكن كتابه المذكور حكراً على دراسة فلسفة هذين الرجلين، بل زاد فيه دراسات متينة عن كل من الشاعر الحكيم المتنبي، والفلكي وعالم الرياضيات ابن الهيثم، كما خصَّصَ أيضاَ ركناَ مهماَ لدراسة آراء ابن تيمية، ورغم أن كتابه المذكور صغير الحجم، بالمقارنة مع ما تناوله من شخصيات لها أثرها، فإنه يظهر دقة الشيخ مصطفى عبد الرازق في التحليلات التي قام بها أثناء عرضه لهؤلاء الذين قام بدراسة آرائهم، مستعملاً في ذلك أسلوبه الخاص وإشراقه الأدبي الذي قلَّ نظيره.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق