الزمن العربي
06 يناير 2015 | 0 تعليق
غاص آينشتاين في البحث عن الزمن، ثم أعلن أن الزمن مجرد وهم وكل شيء يحدث بالتزامن!! أما الفيلسوف الفرنسي برجسون، فقد قسم الوقت إلى نوعين الوقت العلمي الذي يقسم الساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية، وهو وقت ثابت لا يتغير والوقت النفسي، وهو الوقت الذي يعيشه الإنسان ويستمتع به، وهو بالنسبة إليه الوقت الحقيقي وبالنسبة لمعظمنا في هذه البقعة المجنونة من العالم؛ فنحن مثل صديقنا جبر من بطن أمه للقبر يمر علينا الوقت ونحن في متاهة نتحسس سبل الخروج منها دون حظ كبير.
كلّ ثانية تمضي بدون جدوى هي وقت ضائع ، يستهلكنا الوقت حين نتوهم أننا من يستهلكه لكن بنفس القسوة التي أطلقها جاك دريدا على ارتباط استباق المستقبل بصيغة الخطر المطلق، غرفت تيتانيك لأنها كانت تستعمل محركا من زمن الرادار الذي لم يوجد بعد؛ فكل ما جاء قبل أوانه لم تتحقق شروطه، ولكن ماذا نفعل في المقابل للتخلص من إرث سنوات الجمود الطويلة حين كنا نغط بسبات عميق والعالم حولنا مرجل يغلي هذا الإشكال عميق ومثير للغثيان .. ليسَ غثيان سارتر الوجودي، بل هو جوهر الشرط التاريخي الكَينونة وَالصرخة الوجودية معا ، لنقل إننا مدعوون إلى إعمال الفكر في طاقتنا المهدورة وأهمها الوقت وكأنها لعنة سيزيف كلما بنينا منجزاً ما حتى لوكان ناقصا، تضافرت عوامل الهدم علينا ومن دخلنا حتى صرنا نمضي خطوة للأمام وعشرات الخطى للخلف ، حتى فترة قريبة كانت لدينا خميرة معرفية، أصداء تاريخانية العروي العروبية ونظريات سيف الدولة في الثورة والتحديث أو حتى نقد الجابري للعقل العربي ووأركون شروحاته المستفيضة ونقده للعقل الإسلامي. كل هذا إذا اجتمع مع بوادر فكر اقتصادي عربي معاصر كما عند سمير أمين وأتباعه، هذه الخميرة وغيرها والتي كانت بحاجة إلى فسحة من الوقت وهامش أوسع من الحرية كي تنتج صيرورة خاصة وديناميكية فاعلة، هذه الخميرة للأسف ارتدت عليها كهوف التاريخ وسردياته الموغلة في الدم والدمار، لتعيدنا إلى ما قبل الدولة إن لم يكن ما قبل التاريخ. وبانتقال المفكرين ورجال العلم إلى الصفوف الخلفية لم يعد يتصدر المشهد العربي اليوم غير بساطير الجنود ووحشية الإرهابيين وعقارب الساعة التي تدور للخلف بتسارع هائل.
إذا كان الجمود السياسي الذي شكل ملامح المنطقة العربية لعقود قد سمح على هامشه للخميرة المعرفية بالنمو والتراكم، وشكل أيضا الجدار الذي منع تفجر مكونات المجتمعات العربية وخروجها عن النص، فإنه وبشكل أساسي عزز جذور الأزمة وترك أمراضنا الموروثة تختمر وتتفاعل بصمت حتى لحظة الانفجار الكبير. ولأنه لا عودة للخلف في مسار التاريخ حتى لو بدت الأحداث للمراقب العجول وكأنها عود على بدء، فإن التخلص من صواعق التفجير وتفريغ مكامن الاشتعال من وقودها سيسمح لنداء الحياة بالنهوض إلى السطح مرة أخرى مانحة لهذه المنطقة فرصة العنقاء للانبعاث من جديد.
قوانين التاريخ تدفعنا إلى الإيمان بالمستقبل، رغم التردي الهائل حاليا، فكل ما تم بناؤه من منجز فكري تقدمي قادر على التجلي من جديد، بل والعودة للفعل والتأثير بصورة أعمق وأشد تأثيراً إذا ما عبرنا هذه المرحلة السوداء من تاريخنا وتمكنا من تسكين نقاط التوتر والانحدار. وهذا بالضبط ما يفترض بالنخب الديمقراطية والإصلاحية العربية أن تبدأ بمناقشته ومراجعته الآن، ليكون جوهر سؤالنا الوحيد هو: كيف ننهض مرّة أخرى؟
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


