الحقيقة بمفعولاتها
09 ديسمبر 2014 | 1 تعليق

عبد السلام بنعبد العالي*

يستبعد ميشيل فوكو طرح الفلاسفة لمسألة الحقيقة. عندما يطرح الفيلسوف مسألة الحقيقة، فهو يتساءل: ماهي الأشياء الحقيقية وما هي الخاطئة؟ السؤال الذي يعني فوكو هو بالضبط السؤال عما يعنيه السؤال عما هي الحقيقة؟ إنه يتساءل: لماذا ينتظم كل شيء في الثقافة الغربية، أو على الأقل لماذا ينتظم معظم الأشياء في تلك الثقافة داخل الفصل بين الخطأ والصواب؟

لم يطرق فوكو موضوع الحقيقة بأدوات المنطق، كما تم فيما قبل، ولا بأدوات السيكولوجيا وتحليل الشعور، وإنما بأدوات التاريخ، ليتساءل ما هو المسار الذي انتهجته مسألة الحقيقة في المجتمعات الغربية؟

ينطلق هذا التناول لمسألة الحقيقة من التسليم بأن لكل مجتمع نظاما معينا للحقيقة، وسياسة وتدبيرا واقتصادا لها؛ أي أساليب منظمة من أجل إنتاج الحقيقة، وأنظمة تتحكم في توليد الخطابات ونشرها وتداولها، وأنماطا معينة من الخطابات تُقبل على أنها خطابات الحقيقة، وسلطات معينة تسمح بإصدار الفتاوى وغربلة تلك الخطابات، وآليات ومنابر تُمكن من تعيين مجال الصدق ومجال اللاصدق والفصل بينهما.

لا يتعلق الأمر فحسب بتحديد وظائف المعرفة، وما قد يتمخض عن الخطابات من نتائج، وإنما بالتسليم بأننا لا نعمل ولا نفكر إلا في أنظمة معينة للحقيقة؛ أي بوضع الحقيقة ذاتها كفاعل، أو فاعل الفواعل؛ أي جعل أنظمتها بمثابة القبلي التاريخي الذي يحدد شروط الإمكان، إمكان القول، أو على الأصح إمكان القول كفعل. يتعلق الأمر إذن، بتجاوز الإشكالية المنطقية –المنهجية وربما حتى الإيديولوجية بهدف طرح سياسي لمسألة المعرفة واقتصاد الحقيقة. إنه، على حد تعبير فوكو نفسه، اقتناع بأن مسألة الحقيقة "لا تكمن في التمييز، داخل خطاب معين، بين ما يمت إلى العلم والحقيقة، وما قد يتعلق بشيء آخر. المشكل هو أن نتبين، تاريخياً، كيف تتولد مفعولات الحقيقة داخل خطابات ليست هي في ذاتها لا حقيقية ولا خاطئة".

كان لا بد أن يلتقي صاحب "أركيولوجيا المعرفة" هنا بآليات السلطة، إذ سرعان ما تبين أن الفصل بين ما للحقيقة وما للخطأ، مرتبط في جزء كبير منه بالكيفية التي تتم بها ممارسة السلطة؛ فكان عليه أن ينظر بشكل ملموس في الآليات التي انتهجتها المجتمعات الغربية لممارسة السلطة. وانطلاقا من ذلك، تساءل كيف وفي أيّ مكان وموقع عملت مسألة الحقيقة، وكيف كانت السلطة مولدة لمعرفة؟

فوكو: االمشكل هو أن نتبين، تاريخياً، كيف تتولد مفعولات الحقيقة داخل خطابات ليست هي في ذاتها لا حقيقية ولا خاطئة.

لا ينظر فوكو إلى السلطة كقوة تسند المعرفة وتدعمها؛ فالعلاقة بين السلطة والمعرفة ليست علاقة معلول بعلة. إنها ليست علاقة "تخارج"، بل إن القوة تدخل في نسيج المعرفة، ولا تشكل مجرد سند لها. هنا تستمد الأركيولوجيا من الجينيالوجيا مرجعيتها. عندما بيّن نيتشه أن إرادة المعرفة هي إرادة قوة، وأن المعرفة قوة وتسلط، فإنه جعل المعرفة، بما هي كذلك، استحواذا وفعلا، بل وفعلا عنيفا.

ها هنا تدخل القوة في نسيج المعرفة ولا تشكل تطبيقا لها. وليس الصراع بين التأويلات مجرد مظهر من مظاهر النضال الطبقي متولد عن التوظيف الإيديولوجي للمعارف على نحو ما يذهب تأويل معين للمادية التاريخية. إن الصراع هنا يتم "داخل" كل نص، بل داخل كل مفهوم.

لبلوغ هذه النتيجة، كان ينبغي زحزحة مفهوم السلطة عن مكانه، وعدم الاقتصار على البحث عنه عند نقطة مركزية هي التي تشكل البؤرة الوحيدة للسيادة، وإنما رصده عند القاعدة المتحركة لعلائق القوى التي لا تنفك تولد، بفعل اختلافاتها، حالات للسلطة، إلا أنها حالات جهوية لا مركز لها. هذا ما يجعل السلطة تتموقع في أيّ مكان. فعلائق السلطة لا تتمتع بأيّ نوع من التعالي، وهي محايثة للمجال الذي تعمل فيه. إنها، على حد قول فوكو نفسه، "الاسم الذي نطلقه على وضعية استراتيجية معقدة في مجتمع معين".

يبعدنا هذا الطرح لمسألة الحقيقة، وهذا التحديد لمفهوم السلطة عن إشكالية سوسيولوجيا المعرفة التي حاولت، بكيفيات متنوعة، ربط المعرفة بأطرها الاجتماعية. يدخل في هذا السياق حتى أصحاب التحليل الإيديولوجي الذين لم يذهبوا إلى حد وضع التسلط والصراع في نسيج المعرفة، ولم يحاولوا الكشف عن اقتصادها السياسي، فاقتصروا على تحديد دورها الاجتماعي ووظائفها الإيديولوجية، فأهملوا البحث عن مفعولات الحقيقة واكتفوا بتعيين مواقعها، وتحديد قواعد بلوغها، وصور صياغتها اللفظية.

*كاتب ومفكر مغربي

التعليقات السابقة

انتاج الحقيقة

سامي عبد العال
09 ديسمبر 2014‎

ربما بقانون الدفع نعرف السلطة كفعلٍ وحركةٍ. إلاَّ أنَّ السلطة ليست مركزاً، ليست مصدراً لشيء إنما تعدُّ نسيجاً مثله مثل الخلايا الحية. وهي خلايا تنتشر بجميع صفاتها ضمن أي مكون معرفي. إذا ردنا توضيح الأمر، فهناك بعض النباتات التي يمثل الجزءُ منها -ولو صغير- جميعَ الصفات التكوينية للنبات ككل. وهكذا نتخيل قطع عضو من حيوان وإلقائه بعيداً فإذا به ينمو مُستعيداً البنية والشكل والكيان الخاص بالحيوان. إذن أمر السلطة أنّها في حالة فيض وتراكم ليس بمعنى الزيادة فقط إنما التوالد والاستعادة.
وبعيداً عن التجريد الفلسفي، قد نرى في الشارع العربي رجال الأمن وهم يقفون كما لو كانوا يمثلوا شيئاً سرياً وفي تضخم مستمر. شيء هم يعرفون أهميته سوى أنهم لا يقدِّرون تلك الأهمية إلا بمقدار رد الفعل الفائض لدى الآخرين. كأنَّ رجل الأمن يقول سأكون لدى خيالكم وإحساسكم بسريان السلطة حتى داخل هواجسكم. بينما هو نفسه يكتسب حركته من خلايا السلطة التي ليست له تحديداً. حيث تتجمع رمزيتها واضعة إياه وسط دائرةٍ أوسع من محيطه البائس. لكن الواضح أنَّ تلك الخلايا هي عمل استراتيجي في المقام الأول كما يقول ميشل فوكو، لأنَّها تستقر مع طبيعة المجتمع، وتعقد الصلة مع أدوار الفاعلية التي يخلعها على أفراده. من ثم نشير إلى رجل الأمن بوصفته الرسمية، نقول عنه هذا "رجل الحكومة"، لقد حلت فيه روح القوة، كما تحل روح القدُس في الاشياء الضعيفة، فإذا به منتفخ الخيال والأوداج والعبارات!! هذا نموذج لإنتاج الحقيقة وهي بتلك الطريقة تترك أفعالها مع اللغة وخطاب التداول.
ولهذا تُكتّشف السلطةُ بآثارها لا بكيانها، بتجلياتها لا بماهيتها. من هنا تسكن الحقائق وتحركها، وتراها بديلاً عنها غياباً وحضوراً في صور المعرفة المختلفة. وهذا الموضوع أساس "الاعتقاد والضمان" اللذين يوفرهما مجرد الإحساس بوجودها في الحياة العامة. وقد يتقاربان في مستوياتهما حتى أنّنا نظن ضمن مجالات السياسة –على سبيل المثال- وجود السلطة كامنة داخل كل شيء تقريباً.

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق