ابن رشد: شريعة الحكمة وحكمة الشريعة
03 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
الفيلسوف المغربي ابن رشد كما يبدو في رسم فلورنسي قديم يرقى إلى العام 1365م –(أرشيفية)
هو أبو الوليد محمد أحمد بن رشد، أشهر فلاسفة الإسلام وأكثرهم أثراً في الفكر الأوروربي والمسيحي، عاصر فترة من أرقى فترات الحضارة الإسلامية بالأندلس، وتجاوز صداه حدود الأندلس والمشرق العربي إلى أن ضجت به أروقة الغرب الفلسفي، قارب بين العقل والإيمان وحاول التوفيق بينهما، حيث كانت الفلسفة بالنسبة إليه لا تخلو من الإيمان والإيمان لا يخلو من الفلسفة، والتوفيق بين شريعة الحكمة وحكمة الشريعة ضرورة وجودية.
افتتن ابن شد بأرسطو حتى أنه سمّاه بـ"الإنسان الأكثر كمالاً"، وكرس عمره لتلخيص مؤلفاته وشرحها بلسان عربي مبين. "نقل الفكر العربي بعد أن طعّمه بالفكر اليوناني، مبيناً بأن الفلسفة ليست حكراً على أحد وأن المعرفة إنسانية" كما جاء في كتاب" ابن رشد بين الحكمة والشريعة" للكاتب فرانسواعقل؛ حيث اعتبر ابن رشد أن محبة الحكمة ضرورة وجودية"؛ فعندما ينظر المرء إلى جمالات الكون بعين الفكر، ويسمع صوت الحياة بإذن الحكمة، ويؤمن بواجب الوجود وبعلة العلل إيماناً ذكياً، آنئذ تبدأ الفلسفة، وما أروعها" حينها يغدو كل شيء في الحياة فلسفة كما أضاف فرانسوا.
تمكن ابن رشد من الجمع بين الفقه والفلسفة، الشيء الذي لم يكن مألوفاً عند المفكرين والفلاسفة العرب والمسلمين، وكان محط عناية المفكرين اليهود والمسيحيين، أكثر من العرب، وأوضحت كل الدراسات التي دارت حول شخصيته أنها كانت شخصية كاريزماتية وصورة لـ"النموذج الأندلسي" الناجح.
كان للفقهاء دور مهم في المجتمع الأندلسي كما حظوا بمكانة خاصة عند أصحاب السلطة، مما دعا بهم إلى محاربة الأفكار المتنورة والجدية، فمنعوا الاشتغال بالفلسفة وأمروا بإحراق الكتب والتنكيل بالمشتغلين بها. فسايرتهم السلطة في ذلك وبدأت تعتقل المفكرين وتنكل بهم. غير أن ابن رشد، وعلى الرغم من انتمائه إلى أسرة الفقهاء والقضاة، إلا أنه نحا منحى آخر، ولعب أدواراً خطيرة جداً في التحولات التي عرفها مجتمع الغرب الإسلامي، بعد أن" تزايد نفوذ العلماء والفقهاء منذ حقبة المرابطين.
نشأ ابن رشد في بيئة تميزت بالعلم والفضيلة، مما ساعده على نحت شخصيته، وانخرط في صفوف طلاب جامعة قرطبة، حيث نهل من علومها المتنوعة ومعارفها الواسعة، فدرس أصول الفقه والدين، والصرف والنحو والأدب وعلم الكلام، والهندسة والجبر، كما عاصر تأسيس أقوى دولة في الغرب الإسلامي(الموحدين)، وتأثر بابن تومرت في تفتحه على العقل وتجاوزه لمفهوم الفهم الفقهي المتزمت للدين.
حاول ابن رشد الجمع بين الفقه والفلسفة، وكان هدفه بالأساس الدفاع عن الفسلفة، كما حاول توضيح مجمل الأغاليط التي واجهتها، وبالأساس كل ما نشره الفقيه الغزالي في كتابه "تهافت الفلسفة"، وردّاً على موقفه هذا، كتب ابن رشد كتابه"تهافت التهافت" اتهم فيه الغزالي بعدم الإخلاص للحقيقة وتزويرها، متأسفاً لموقف الغزالي الذي يعود لمداهنته للسلطة الدينية التي كانت ضد الفسلفة آنذاك.
كان ابن رشد مغرماً بعلوم الفلك منذ طفولته، حيث كان يلاحظ الفلكيين حوله، ورأى كيف أنهم كانوا يعملون بجد ليلاً للتّعرف على بعض أسرار السماء، وقد سارعلى منهاجهم عندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، حيث أصبحت علاقته بالسماء أكثر قرباً، إذ كان يتفحصها كل مساء، ومن خلال ذلك، قدم للعالم اكتشافات وملاحظات فلكية جديدة، أهمها اكتشافه نجماً لم يكتشفه الفلكيون الأوائل.
أيد ابن رشد أرسطو، في أغلب مواقفه الفلسفية، وسعى إلى إثبات آرائه انطلاقاً من نصوص القرآن، كما ميز بين ثلاثة مناهج للتصديق تناسب اختلاف الناس لإدراك الحقيقة، وهي المنهج البرهاني، وهو منهج الفلاسفة(البرهانيون) المنهج الجدلي لعلماء الكلام (الجدليون) والمنهج الخطابي للعامة(الخطابيون). وفي ظل هذه المناهج، اعتبر ابن رشد المنهج البرهاني الفلسفي أصدق المناهج وأتمها.
عين ابن رشد قاضياً على إشبيلية عام 1129م من قبل الخليفة، الذي نقله إلى منصب قاض في قرطبة بعد 12عاماً من عمله فيها، وكان انتقاله من أهم "المحطات في حياته، حيث مثل أمام الخليفة أبو يعقوب يوسف بوساطة الفيلسوف ابن طفيل، الذي طلب منه ترجمة كتب أرسطو، فتوطدت العلاقة بين الرجلين، خصوصاً عندما أصبح ابن رشد الطبيب الخاص للخليفة"، وفي هذا الصدد يقول ابن رشد طبقا لرواية عبد الواحد المراكشي: "استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما، فقال لي: "سمعت اليوم أمير المؤمنين يشتكي من قلق عبارة أرسطوطاليس أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه ويقول لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهماً جيداً لقرب مآخذها على الناس، فإن كان فيك فضل قوة لذلك، فافعل وإني لأرجو أن نفي به لما أعلمه من جودة ذهنك...فقال أبو الوليد: فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس.
استدعى الخليفة أبو يعقوب الفيلسوف ابن رشد إلى مراكش عام 1182، بعد تنصيبه قاضياً على إشبيلية لسنوات، وجعله على رأس أطبائه بدلاً من ابن طفيل، غير أن هذا التكريم لم يدم طويلاً، ففي عهد الخليفة المنصور عمل الحاسدون على وغر صدر الخليفة على ابن رشد، وغيروا نظرته عن الفلسفة، ما نجم عنه حرق كتب الفلاسفة ونفيهم، ولم يسلم ابن رشد من هذا الأمر، حيث نفي هو أيضاً إلى "اليسانة"، وهي قرية يهودية قريبة من قرطبة عام 1195، و"في ذلك إشارة إلى طرده من حظيرة المسلمين، ونشر إشاعات حول أصوله اليهودية، حتى يفهم الناس أن سبب خروجه عن الدين الإسلامي راجع إلى تلك الأصول، وهذا شيء كان معروفا منذ القدم في الشرق العربي، عندما يريدون اتهام شخص ما يحاولون إلصاق تهمة اليهود والنصارى به، حتى يتم ترسيخ فكرة المؤامرة الخارجية على الدين الإسلامي في أذهان الناس" كما جاء في دراسة تحت عنوان"ابن رشد... العقلانية في مواجهة الظلامية والغيبيات" للباحث خالد غزال.
عاد ابن رشد إلى مراكش بعد نفيه، وبعد أن رضي عنه السلطان المنصور الذي أعاده إلى مركزه السالف ومجده، وعاش في مراكش إلى أن وافته المنية عن عمر يناهز 72 عاماً. باصماً مكانة خاصة في تاريخ المعرفة الإنسانية، وواضعاً قوانين جديدة لمنهج الشكية، وناقشاً اسمه كرمز للفكر العربي في تاريخ تشكل الوعي الأوروبي الشيء الذي منحه مكانة فريدة في مركز الجهاز"النظري".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

