ابن باجة: أب الفلسفة العقلانية الإسلامية
15 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
الفيلسوف الأندلسي ابن باجة -(أرشيفية)
أقرعلى أن الغزالي خدع نفسه، حينما قال إن الإنسان يرى الأمور الإلهية بالخلوة، واشتغل بالسياسة والفلك والرياضيات، والموسيقى والطب، وكان متوقد الذكاء وذا سعة في الفكر، فاق أهل عصره في الحكمة، وكان أول مشاهير الفلاسفة العرب في الأندلس، إنه أبو بكر محمد بن يحيى أو ابن باجة كما سماه نصارى الأندلس، فيلسوف الحكمة وممثل المدرسة الأرسطية الأفلاطونية الجديدة، وأب الفلسفة العقلانية الإسلامية.
ولد ابن باجة في أواخر القرن الخامس الهجري بمدينة سرقسطة، المدينة التي مكنته من تفتيح بوادر شخصيته الأدبية، حيث اختص بمدح أمير سرقسطة، ثم واليها أبو بكر إبراهيم بن تيفلويت بشعره وبأدبه، وعاش في إشبيلية لمدة طويلة وامتهن الطب فيها، ثم سافر إلى غرناطة وأقام فيها حيناً، وسجن في شباطة من طرف واليها أبي إسحاق بن إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي كان ما يزال تحت تخدير الفقهاء فيما يخص موقفهم من الفلسفة وكل المشتغلين بغير علومهم الفقهية، بعدها رحل إلى المغرب، ثم وصل إلى فاس حيث انتهى به المطاف وألقى بها عصا التسيار واستقر به النوى، وكانت له مكانة خاصة عند الأمراء المرابطين.
اعتبر ابن باجة أول من وضع الأسس لقيام فلسفة تعتمد العقل المجرد في عموم الأصقاع العربية، وتجلت عقلانيتها في بعدها عن الدين وانفصالها عن العامة، الشيء الذي مكنه من تحقيق امتياز وتفوق ظاهرين، كما استطاع إبراز الفلسفة الأندلسية، وكان أول من ابتكر وأبدع في كتاباته، التي قامت على العقل المجرد والمنفصل عن الدين، والمعزول عن العامة، وبهذا الصدد يقول عنه ابن طفيل، وهو أهم فلاسفة الجيل الثاني في الأندلس، في كتابه "حي بن يقظان"، في حديثه عن أولئك الفطاحل الذين تعاقبوا على تدارس الفلسفة والعلوم القديمة في جميع العالم الإسلامي عامة وفي الأندلس خاصة، "إنه من بين أولئك المتعاقبين لم يشهد أثقب ذهناً، ولا أصح نظراً، ولا أدق روية من أبي بكر الصائغ –أي ابن باجة- غير أنه شغلته الدنيا، حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث خفايا حكمته"، ويضيف ابن طفيل في حديثه عن مزايا ابن باجة، وهو يتحدث عن باقي الفلاسفة قائلا: "ومن وصف بأنه في مثل درجته فلم نر له تأليفاً، وأما من جاء بعدهم من المعاصرين لنا كابن رشد مثلاً، فهم بعد في حالة التزايد أو الوقوف على غير كمال أو ممن لم تصل إلينا حقيقة أمره".
عمل ابن باجة على نشر الفلسفة في المغرب، وكان من السباقين للفصل بين الدين والعقل في التناول، على أن تكون الغاية من حيث المضمون هي التوفيق بينهما. كما ارتكزت فلسفته على الاختصار المركز والتنسيق والعقلانية، وبنت أسسها على ركائز رياضية وطبيعية تعتمد العقل المجرد عوض الكلام الجدل؛ أي أنها أسست على البناء الرياضي العقلاني، مما استدعى من روادها المزيد من الملاحظة والكثيرمن المعاناة والتجربة.
تميزت حياة ابن باجة بالسفر الكثير والانتقال من مكان لآخر، وقد عانى من ترحاله وطوافه الحرمان والقهر، مما زرع في نفسه حب المال وادخاره، غير أن المال لم يكن بالنسبة للفيلسوف الأندلسي سوى وسيلة للتحصن من ضربات الزمان، وقد أخذت المعرفة مكانة خاصة في حياته، حيث تبين بجلاء في الكثير من القصص التي رويت عنه تاريخياً، كيف أن ابن باجة كان رجل فكر وثقافة، وكيف تمكن من الكثير من العلوم التي عرف بها عصره، وكيف بلغ شأوا بعيدا في مضمار الثقة بالنفس ونقش اسمه في العلوم الفلسفية والمنطق والفلك، وأما في ما يخص تضلعه في العلوم الفلسفية، فقد قال عنه أبو الحسن علي ابن عبد العزيز الإمام الغرناطي، وهو أهم معاصريه: "وأما في العلم الإلهي، فله نزعات تستقرأ من أحواله في "رسالة الوداع واتصال الإنسان بالعقل الفعال"، وإشارات مبددة في أثناء أقاويله، هي في غاية القوة والدلالة على نزوعه في ذلك العلم الشريف الذي هو غاية العلوم ومنتهاها، ومن المستحيل أن ينزع في التوطئات، وتنقل له أنواع الوجود على كمالها ويكون مقصرا في العلم الذي هو الغاية، ويشبه أنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم، فإنك إذا قارنت أقاويله فيها بأقاويل ابن سينا والغزالي بأن لك الرجحان في أقاويله وفي حسن فهمه لأقاويل أرسطو".
قسم ابن باجة الموجودات إلى متحرك وغير متحرك، "فالمتحرك أجسام متناهية وحركتها أزلية ومن ثم يكون لهل محرك أزلي لامتناهي، وهو العقل، وتتوسط النفس بين الجسم والعقل، لذلك يجمع إدراكها للجزئيات بين الإحساس والتعقل، ويتدرج العقل في الكمال من الأدنى إلى الأعلى، فيدرك أولاً الصور المعقولة للجسمانيات ثم التصورات النفسية التي تتوسط بين الحس والعقل، ثم العقل الإنساني ذاته، والعقل الفعال من فوقه، ثم عقول الأفلاك المفارقة. ويتجاوز الإنسان، بترقية من الجزئي إلى الكلي، طور ما هو إنساني إلى ما هو إلهي بإرشاد من الفلسفة، فالعقل الانساني لا يبلغ مبلغ الكمال بالأحلام الصوفية ولكن بالمعرفة العقلية؛ فالنظر العقلي هو السعادة الكبرى، وليس من سبيل اليه باعتزال الناس أحيانا وتنمية العقل باستمرار بلا حد ولا قيد" كما جاء في قاموس الفلاسفة للكاتب جمال هاشم.
مزج ابن باجة في رأيه حول المادة والصورة بين رأي افلاطون ورأي أرسطو، عندما اعتبر أن المادة لا يمكن أن توجد بدون صورة، غير أنه خالف أرسطو في قوله إن الصورة قد توجد بدون مادة وإلا لاستحال علينا أن نتخيل المادة تتقلب في الصور المختلفة، إذ كيف يمكننا أن نتخيل مادة تلبست في الأزل بالصورة لو لم تكن هنالك صور مجردة تقبل تلبس المادة بها( وهو هنا أفلاطونياً).
يعد البحث في العقل العنصر الأول في مراتب الأهمية عند ابن باجة؛ فالمعرفة الصحيحة والمعرفة المطلقة تكون بالعقل، والسعادة تنال بالعقل، والأخلاق مبنية على العقل، وربط المعرفة بالحواس التي اعتبرها طريقها، فكل ما نعرفه يجب أن يكون قد مر بحواسنا شيء يشبهه ويقوم مقامه، كما أن الصور لا يمكن أنت تتواجد في الذهن، إن لم تكن حسية، لأن الصور الذهنية تتألف من صور مرت بالحس المشترك.
كانت لابن باجة آراء في سياسة المدينة (الدولة) وفي إدارة المدن وتدبير الأسرة والعناية بالأهل والأولاد، وهو يرى أن الإنسان مدني بالطبع والاعتزال شر إذا كان حباً في الاعتزال، وهو خير إذا كان هرباً من مخالطة الفاسدين من أهل المجتمع، كما تحدث عن المدينة الفاضلة التي اعتبرها السيرة الإقامية والسير الناقصة في نظره أربعة.
غادر ابن باجة الحياة في 512ه الموافق لـ1117م، وأجمع المؤرخون على كونه رجلاً اجتماعياً وسياسياً، استطاع أن يجمع بين الأدب والشعر والفلسفة في آن واحد، كما تمكن من تأسيس لمبادئ إنسانية متميزة، إذ أوصى الإنسان بأن يحيا مجتمعه بكل أخلاطه وطبقاته، وأن يستكثر من المال مع حسن القيام على استغلاله وتصريفه في وجوهه المفيدة وذات النفع، وبضرورة معاشرة الناس بما لا يجرح كرامتهم وشعورهم، وبما يمكن أن يسمى بالمحافظة على الآداب الاجتماعية وآداب السلوك.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

