هيلين كيلر خرجت من الظلال وأنشدت أغنية الجدار الحجري
10 يونيو (حزيران) 2014 09:00 | 0 تعليق |
هيلين كيلر(أرشيفية)
الرباط - نزهة صادق

من كان يعتقد يوماً أن ابنة الكابتن آرثر كيلر وكايت أدامز كيلر، التي أصيبت بمرض أفقدها السمع والبصرقبل أن تبلغ الثانية من عمرها، والتي نعتت في طفولتها بـ"الكائن الحي الأبله"، ستصبح رمزاً عالمياً، ليس فقط للمرأة القوية والمناضلة، بل للإرادة الإنسانية والتحدي في أسمى معانيهما؟.

عاشت هيلين كيلر طفولة صعبة وقاتمة، حيث كان يصعب عليها التواصل بينها وبين عائلتها التي عاملتها بالكثير من الحنان والشفقة، من جهة، وبينها وبين العالم الخارجي من جهة ثانية، ومع ذلك فإن نافذة أمل فتحت في وجهها في السابعة من عمرها، عندما اقترح العالم الشهير "جراهام بل" مخترع التليفون على والدها أن يطلب لها معلمة من معهد بركينز للمكفوفين بمدينة بوسطن بولاية ماساشوستس. وعلى إثر هذه النصيحة الثمينة التي غيّرت حياة هيلين تغيراً جدرياً، قام والدها بمراسلة مدير المعهد يطلب مشورته، فأرسل له المربية (آن سوليفان).

ولا يمكن الحديث عن هيلين كيلر وما حققته من إنجازات، من دون أن نذكر معلمتها آن سوليفان التي يعود لها الفضل في تسهيل عملية التلقين لكيلر، خاصة أن هذه المعلمة عاشت حياة صعبة، فأمها ماتت وهي في الثامنة من عمرها، تاركة ثلاثة أطفال، ومات أخوها جيمي وهو في الثامنة بمرض السل، أما أختها الصغرى ماري فقد أقامت في رعاية بعض أقاربها، وكانت تشكو من تعب في عينيها.

كانت سوليفان وحيدة، ولم تلقَ أي اهتمام من أحد، ولم يكن لها أصدقاء إلا بعض المتسولين، وعلى الرغم من ذلك تعلمت في معهد (بركينز) للمكفوفين، الذي كانت تقطن فيه، طريقة "بريل" في القراءة وتعلمت الأبجدية، وعندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، وبعد العملية الجراحية التاسعة استطاعت أن تبصر بشكل جزئي.

سوليفان إمرأة متفهمة وقوية تمكنت من تجاوز الظروف القاسية التي عاشتها، وبدأت مع هيلين رحلة طويلة مثيرة أشبه بالأعجوبة، ومثلت هذه التجربة أروع إنجاز تم في حقل تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

بحثت معلمة كيلر، بتجل، منذ بداية هذه الرحلة على حلول مبتكرة لتعليم هيلين التي تروي في كتابها قصة حياتي: "ذهبنا إلى البئر وكان هناك شخص يضخ الماء، ووضعت معلمتي يدي تحت المضخة ، وفي حين كان تيار من الماء البارد ينهمر على إحدى يدي، كانت معلمتي تكتب بإصبعها على يدي الأخرى كلمة (water) في البداية ببطء ثم بعد ذلك بسرعة، وقفت ساكنة وكل تركيزي منصب على حركة إصبعها، وفجأة شعرت بحالة وعي ضبابية لشيء كان منسياً، بالإثارة المصاحبة لفكرة عائدة، وهكذا تكشف أمامي غموض اللغة".

وكم كانت فرحة هيلين عظيمة وقد انفتح لها باب العالم الخارجي الذي كان موصداً دونها، ولم تعد إلى البيت إلا بعد أن سألت عن اسم كل شيء مرّت به.

بدأت سوليفان تعليم هيلين الحروف الأبجدية بكتابتهاعلى كفها بأصابعها، واستعملت كذلك قطعاً من الكرتون عليها أحرف نافرة، حيث كانت هيلين تلمسها بيديها، وتدريجياً بدأت تؤلف الكلمات والجمل بنفسها.

بعد سنوات من العمل الشاق والجاد، وعندما بلغت هيلين كيلر السادسة عشرة من عمرها، استطاعت أن تذهب إلى الجامعة ودخلت في كلية (رادكليف) لدراسة العلوم العليا، فدرست النحو وآداب اللغة الإنجليزية، كما درست اللغة الألمانية والفرنسية واللاتينية واليونانية، وكانت معلمتها آن تجلس إلى جوارها، وتنقل بأصبعها كل ما يقوله الأساتذة في المحاضرات، وكانت تجهد عينيها بالقراءة لتنقل لها كل ما تقرأه.
تخرجت هيلين كيلر من الجامعة عام 1904، حاصلة على بكالوريوس علوم في سن الرابعة والعشرين، لتمثل الأنموذج الإنساني المعجزة، الذي توّجته كيلر بنشرها 18 كتاباً من أشهرها: "قصة حياتي"،"العالم الذي أعيش فيه"، "أغنية الجدار الحجري"، "الخروج من الظلال"، "تفاؤل"، "إيماني"،"الحب والسلام"، "فلنؤمن" و"هيلين كلير في اسكتلندا" وغيرها من الكتب التي ترجمت إلى 50 لغة.

عُرفت بإيمان قوي شمل ذاتها واستوعب العالم من حولها. وكانت تردد باستمرار أن الله وهبها الكثير، حتى لم يعد لديها وقت للحزن على ما حرمت منه.

كانت كيلر منفتحة على العالم وقامت بزيارات إلى 35 بلداً في القارات الخمس ما بين 1939 و 1957 ، كما التقت بالكثير من الشخصيات السياسية والاجتماعية المعروفة، من أهمها رئيس الولايات الأمريكية المتحدة جون كيندي. كما قامت بزيارة الجرحى والمصابين، وعندما تعجّب الناس منها ، قالت لهم : "إني أستطيع أن أنتقل وأنا عمياء وصماء وأنا سعيدة، لأنني أصبحت أقرأ أعمال الله التي كتبها بحروف بارزة لي، فدائماً عجائبه ومحبته تشملني".

 

إن السفر عبر رحلة هيلين لا يدعو فقط إلى مراجعة الذات الإنسانية، بل يحثها على التواصل من جديد، والتسلح بلغة التحدي لبلوغ الأهداف، فـ "الحياة إما أن تكون مغامرة جريئة ... أو لا شيء"، كما قالت كيلر التي على الرغم من غيابها منذ شهر يونيو (حزيران) من العام 1968، عن عمر ناهز ثمانية وثمانين عاماً، فإن روحها القوية مازالت تجوب العالم عبر كلماتها التي نقشت بحبرالتحدي: "اجعل وجهك باتجاه الشمس، ولن ترى الظلال".

 

 

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق