ميشال فوكو: السلطة لا مكان لها لأنها توجد في كل مكان
10 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
أبدع ميشال فوكو في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع، ولم يكن رمزاً يحتدى به فقط على المستوى الفرنسي، بل أيضاً على الصعيد العالمي، حيث قام بمراجعة التصور الكلاسيكي عن علاقة المعرفة بالسلطة. فإذا كان التعبير الكلاسيكي يرى في المعرفة عاملاً خارجا عن السلطة معزولاً عنها لا تربطه بها أية أواصر، فإنه يُحسبُ لفوكو أنه زعزع هذا التصور الذي عرف ركوداً لسنوات، وبيّن أن السلطة لا مكان لها لأنها توجد في كل مكان، كما لايمكن فصلها عن المعرفة، لأنها أصبحت منتجة للمعرفة وموجهة لها، ولم تعد فقط مصدراً للقمع والاستبداد.
وأجاب فوكو "بشكل جلي على نظام العولمة وخرائطيته المتعددة في تدوين المثقف، وقتل السياسي وفك أواصر الوهم واليتوبيا عبر مساءلة أركيولوجية مدمرة للسياسة والحقيقة والمثقف والأيديولوجيا والسلطة... وغيرها من الموضوعات المجاورة لها" كما قال عنه الباحث محمد الجيلالي في إحدى قراءاته لأعمال الراحل. ويعد مشروعه الأركيولوجي للمعرفة مرجعاً أساسياً للدراسات النقدية والفلسفية، كما صنفته أعماله الفكرية ضمن خانة فلاسفة ما بعد الحداثة. ولعل تعدد اهتمامات وانشغالات فوكو الفكرية، حيث كان مؤرخاً للأفكار، ومثقفاً، وفيلسوفاً، من أهم ما جعله في مرتبة أهم المفكرين البنيويين المعاصرين المعادين للمنهج التاريخي التواصلي.
كان لكتابات فوكو،الفيلسوف الذي ولد عام 1926، أثراً بالغاً على مجالات مختلفة. كما كان يحتل كرسياً في الكوليج دو فرانس، أطلق عليه اسم "تاريخ نظام الفكر"، كما تميزت دراساته الناقدة والدقيقة لمجموعة من المؤسسات الاجتماعية المحددة للسلطة، والتي تنعكس على البنيات التكوينية للأفراد، بالعلمية وبالعقلانية، ويعتبرمجال السلطة والعلاقة بينها وبين المعرفة، إضافة إلى "الخطاب" وعلاقته بتاريخ الفكر الغربي، من أهم المجالات التي حفر فيها.
توصف أعمال فوكو من قبل المعلقين والنقاد بأنها تنتمي إلى "ما بعد الحداثة" أو "ما بعد البنيوية"، على أنه في الستينيات من القرن الماضي كان اسمه غالباً ما يرتبط بالحركة البنيوية. وعلى الرغم من سعادته بهذا الوصف، إلا أنه أكد فيما بعد بُعده عن البنيوية أو الاتجاه البنيوي في التفكير. إضافة إلى أنه رفض في مقابلة مع جيرار راول تصنيفه بين "ما بعد البنيويين" و"ما بعد الحداثيين".
صدر لميشال فوكو العديد من المؤلفات، والتي تعد مرجعاً للعديد من الباحثين، ويعتبركتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (histoire de la folie à l’âge classique) أحد أهم مؤلفاته. ويعدّ الدارسون هذا الكتاب، منذ صدوره عام 1961، عملاً نظرياً متكاملاً لتجليات السلطة، حيث تمكن فيه فوكو من خلق وجهة نظر جديدة نحو الفهم والمساءلة، كما شكل عمله من زاوية التناول الفلسفي، منهاجاً جديداً للنظر في "الجنون"، و"السجون"؛ كفضائين حاكم فيهما فوكو مسائل المعرفة والسلطة والذاتية والموضوعية والإنسان، ومسيرة التاريخ على وجه الخصوص، وشكل عمله لبنة جديدة في مسار جديد دعا فيه فوكو إلى توجيه الانشغال الفلسفي من عالم الميتافيزيقا إلى عالم المختلف والمتعدد.
تناول فوكو في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" العلاقة الكائنة ما بين الجنون وبين العقل منذ التاريخ الأوروبي( القرن السادس عشر) وحتى النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم. مع التركيز على"عصر التنوير"، وبالتحديد العصر الذي جاء بعد عصر النهضة مباشرة (القرنين السابع عشر والثامن عشر). إنه بذلك، وتحت مطرقته ونقده العقلاني الصارم، وجه فوكو حفرياته المعرفية إلى التاريخ الأوروبي بانياً تصوراته على مفهوم الجنون.
ومن أعماله الشهيرة أيضاً، نجد كتاب" المراقبة والعقاب" الصادرعام 1975، والذي حفر فيه فوكو عن الآليات الاجتماعية والنظرية لنظم العقاب في العصر الحديث، حيث رصد وبشكل ملفت "العقاب" في مراحل مختلفة، موضحاً ما أسماه بـ" تيكنولوجيا العقاب"، تساءل فيها فوكو عن الطريقة التي تغير من خلالها المجتمع الفرنسي فيما يخص معاقبة المدانين في مدة قصيرة، مبرزاً أوجه الاختلاف انطلاقاً من صورة العقاب بين الأمس واليوم (صورتان لنمطين متقابلين).
في كتابه "الكلمات والأشياء" بحث فوكو عن مختلف الصور البنيوية التي أخذها العقل الأوروبي منذ عصر النهضة حتى القرن العشرين، وأكد على أن العقل يتغير طابعه في كل مرحلة، لأن هناك بنية مميزة لكل مرحلة. وبما أنه كان ضد النزعة التاريخية، فلم يهتم قط بحركة العقل في الزمان، بل على العكس من ذلك قدم مجموعة من البنيات المغلقة إغلاقاً محكماً من دون أن يعير أي اهتمام لكيفيية الانتقال من بنية إلى آخرى والعوامل التي أدت إلى التغيير. كما كان همه التأمل في مراحل التطور على حدة مع تحديد ثوابتها وبنياتها المتماسكة، عوض دراسة التاريخ بشكله القدحي.
بعد أن أشار إلى فكرة "الفلك الكروي" La sphère التي كانت تشكل البنية الفكرية السائدة لعصر النهضة، وهي فكرة تقر بأن المعارف موحدة ومتناهية ودائرية ومغلقة، وانتقل إلى"النظام" البنية الفكرية التي تعبر عن النسق الذي ساد كل المجالات المعرفية بما فيها النشاط الذهني للإنسان خلال القرنين 17و18. انتقل فوكو إلى القرن 19 معتبراً إياه قرن التاريخ والنزعة التاريخية. أما العصر الحاضر، فقد قسم مجاله المعرفي إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول هو مجال العلوم الرياضية والفيزيائية، والثاني العلوم الطبيعية، والثالث هو التفكير الفلسفي، ويرى أن العلوم الإنسانية تبحث لنفسها عن مكان في هذه المجالات.
رغب فوكو في تأريخ للثقافة الغربية وفق منهج جديد، واتهم في تنقيبه باهتمامه بالمهمشين والمنبوذين، غير أنه لم يكل في الحفر والتنقيب في طبقات الثقافة الأروبية باحثاً وكاشفاً عن "الذي لم يُقل" " le non-dit" أو ما بين السطور، فبالنسبة له ماخفي كان أعظم وأعمق. وفي كشفه عما بين السطور وفي بحثه في السجون الفرنسية، كشف فوكو عن الجوانب المختبئة للسلطة، فعلى الرغم من الإصلاحات التي ينطق بها النظام، فالعقاب لازال هو العقاب، حتى أن أشكال الممارسة التعذيبية أصبحت أكثر تفنناً من السابق. فمفهوم السجن مع فوكو تجاوز ذلك الفضاء الذي صمم لعقاب الأفراد، بل أصبح مفهوماً أكثر اتساعاً لأن المواطنين مكبوتون، وأن القيم الثقافية والحقوقية تبقى نسبية، فالمجنون "يتطلب عاقلاً يرسم حدود العقل والأعقل، فالعقل يستبعد الأعقل ليقنع الآخرين بسلامته هو بالذات" كما جاء في قاموس الفلاسفة لمؤلفه كمال هاشم.
بعد أن أرسى جسراً للمعرفة بمنظار جديد، وفكك أعراض عقلانية الحداثة السلبية، وحفر في أنظمة المصادرة والترويض والتدجين والظبط. وأبرز موت الإنسان كتجلٍّ أساسي لفلسفته التي تمحورت أيضاً حول الأخلاق والسلطة والعنف والحرية والذات، غادر فوكو الحياة عام 1984 عن سن يناهز 58 عاماً.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

