ميرلوبونتي: تجديد الفكر الوجودي؛ انطلاقاً من الفينيمونولوجيا
08 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

موريس ميرلوبونتي -(أرشيفية)
ذوات - نزهة صادق

اغترف موريس ميرلوبونتي من المعرفة في أسمى معانيها، وفي أشكالها المتعددة، فلقد تأثر بفينيمونولوجيا هوسرل، ووجودية سارتر، وبالنظرية الجشتاليتية (Gestaltisme)، وكان لتنوع انتماءاته الفكرية تأثير كبير على موقعه العلمي، حيث جعلت منه أهم أقطاب الفكر الفرنسي المعاصر، ونقشت اسمه ضمن أعلام الفلسفة الوجودية الفرنسية إلى جانب جان بول سارتر بالخصوص، وأهم مجددي الفكر الوجودي، انطلاقا من الفلسفة الفينومينولوجية.

انفصل ميرلوبونتي عن رفيقه جان بول سارتر سنوات بعد إصدار مجلة "الأزمنة الحديثة" التي كان رئيس تحريرها، وقد نتج ذلك عن بعض الخلافات التي كانت بينهما، والتي كانت أساساً ذات الطابع السياسي؛ أي فيما يتعلق بالموقف من الماركسية، حيث دافع ميرلوبونتي عن فكرة الالتزام الإنساني في العالم وفي التاريخ.

عمل ميرلوبونتي أستاذاً في جامعة ليون والسوربون والكوليج دو فرانس، وأصدر مؤلفات رغم قلتها، لكن أثرها كان عميقاً في الدراسات الفينيمونولوجية في الفلسفة المعاصرة، وهي "بنية السلوك La Structure du comportement " (1942)، فينومينولوجيا الإدراك"La phénoménologie de la perception (1945)، "مغامرات الجدلLes Aventures de la dialectique".  

حاول ميرلوبونتي تجديد الفكر الوجودي، انطلاقاً من الفلسفة الفينومينولوجية، بعد أن تأثر بأطروحات أسسها إدموند هوسرل، الذي تجلى تأثيره بوضوح في فلسفته، خصوصاً فيما يتعلق بالتركيز على بعد الإدراك الحسي في علاقة الإنسان بالعالم، كما استفاد أيضاً من مدارس علم النفس المعاصرة، مثل المدرسة الجشتاليتية (Gestaltisme) والمدرسة السلوكية، وقد ساعده هذا التنوع والانفتاح على مجالات علمية متنوعة على إنتاج عدد من الأطروحات الغنية بالمواقف والمعلومات الفلسفية التي طبعت كتبه ومصنفاته ومحاضراته، والتي ألقاها في أعرق المؤسسات التعليمية الجامعية كالسوربون وكوليج دو فرانس. وتأثر بكل من فلهايم هيجل و مارتن هيدجر وهنري برغسون اللذين كان لهم سحر وتأثير كبير في فلسفته، وهي أسماء طبعت الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر.

تأثر بفينيمونولوجيا هوسرل، ووجودية سارتر، وبالنظرية الجشتاليتية (Gestaltisme)، وكان لتنوع انتماءاته الفكرية تأثير كبير على موقعه العلمي.

انطلق ميرلوبونتي من الفينومينولوجيا، بغية توضيح صلة الإنسان بالعالم، وقد تمكن من محاولته إكمال وجود حلقة لا تنفصم بين الذات والموضوع، لأن العالم هو إسقاط من جانب الذات، والذات تُحقق الإنسان، لأن "العالم هو هذا الذي ندركه، كما أنه ليس موضوعاً، وإنما هو مجال تتجلى فيه أفكار الإنسان وتتحقق فيه إدراكاته الحسية، ومادام الإنسان موجودا في العالم، فهو يتعرف على نفسه داخله، والحقيقة التي يبحث عنها هي جزء منه، والعالم لايدرك بالعقل، بل يعيشه الإنسان ويشارك في وجوده دون امتلاكه؛ من هنا تكون الفلسفة هي الكشف عن هذا العالم والعمل على إعادة النظر فيه" كما جاء في دراسة لأعلام الحداثة التي أنجزها الباحث محمد مستقيم.

انطلق أيضاً ميرلوبونتي من الإنسان وواقعه المعيش ـ فكرة وجسداً وعقلاً وعاطفة ووعياً ولا وعي للتعبير عن مواقفه، محاولاً بذلك أن يجمع بين التجربة المعيشة والتأمل الفكري، وقد مكنه هذا الطرح من بناء فلسفة الالتباس ambiguity، التي لا تريد أن تحلّ المشكلات، بل أن تدرسها بعمق أكثر.

ويشكل موقف ميرلو بونتي من الإدراك الحسي إنتاجا لفلسفة الكشف؛ أي الكشف عن هذا العالم والعمل على إعادة النظر فيه، علما أن له معنى، وما على الإنسان إلا أن يتوصل إلى وصفه، كما أن فهمه والتوصل إلى معناه، يقتضي من الإنسان تجاوز ثنائية الذات والموضوع ، وكذلك تجاوز تلك التفرقة التي أقامها سارتر بين الوجود في ذاته والوجود لذاته.

تعد فلسفة ميرلوبونتي الجمالية، خلاصة للتحليل الفينومينولوجي وللإدراك الحسي بوصفه رؤية للعالم والأشياء.

يرى ميرلوبونتي بأن هناك علاقة وثيقة بين الإدراك ووجود الجسد وحضوره في العالم، خلافاً للفلسفات العقلانية الكلاسيكية ومدارس علم النفس التقليدية التي تنظر إلى الإدراك على أنه نشاط فكري ونفسي، ما جعل من فلسفة ميرلوبونتي الجمالية، خلاصة للتحليل الفينومينولوجي للإدراك الحسي بوصفه رؤية للعالم والأشياء، حيث لاينفصل الذهن عن البدن أو المتخيل عن المحسوس أو اللامرئي عن المرئي، الشيء الذي يجعل من "الفلسفة الجمالية فلسفة في معنى الرؤية ذاتها"؛ بمعنى أن الرؤية هي موضوعها سواء أكانت الرؤية إبداعية من جانب الفنان أم رؤية المتلقي للعمل الفني؛ فالرؤية هي انفتاح على الأشياء أو عين حضور الأشياء ذاتها، وإنها ليست نمطاً من التفكير، إنما هي مجال من مجالات الجسد كاللمس والإحساس، ويبدأ الإدراك الحسي أولاً بالرؤية انطلاقاً من السطح المحسوس، ومن ثم تتوغل داخله، فاالإنسانيدرك أولاً العالم المحسوس ثم يتجاوزه دون أن يتخلى عن الرؤية ذاتها، واستطاع ميرلوبونتي بذلك أن يتجاوز المناقشات العقيمة حول الإبداع بوصفه نتاجاً لعبقرية ما، مؤكداً العلاقة التبادلية بين الرائي والمرئي وخبرة الفنان، فالفن هو نتيجة احتكاك الفنان بعالمه، وهو يعير جسده للعالم محولاً العالم إلى رؤية، حيث تكمن العملية الأكثر أهمية، وهي إعادة اهتداء الفنان إلى جسده بعد أن وزعه على العالم، فيكتمل الجسر بين الفنان والعالم، وهذا الجسر هو الفاعل الحقيقي في العملية الفنية" كما جاء في الموسوعة العربية.

لم تقتصر فلسفة ميرلوبونتي فقط على تجربة الجسد، بل طرحت مفهموم الذات الإنسانية في علاقتها مع الآخر، فمادام الإنسان يعيش في العالم ومع الآخرين، فإن الاتصال بين ذاته والآخر، هو ضرورة وجودية بحكم العلاقة التي تربطه بالعالم، فوجود الأنا هو حضوره أمام الآخرين، وتعد هذه النقطة من أهم نقط اختلافه مع سارتر، في ما ذهب إليه من أن معرفة الغير تحوله إلى موضوع جامد وفاقد لحريته، حيث اعتبر ميرلوبونتي أن الجسد والآخر ليس موضوعاً أو شيئاً قابلاً للمعرفة الموضوعية، وأنه العنصر القادر على خلق التعاون وتجسيد التواصل بين الأفراد، وعندما يعملان معاً وينضاف جسد كل واحد منهما للآخر، فإنهما يصيران جسداً واحداً، وبالتالي فالآخر ليس فقط موضع صراع، وإنما هو عنصر تلاقٍ في عالم يكون فيه الحديث مع الآخر بمثابة اتصال حقيقي. ويعتبر هذا الموقف رداً واضحاً على سارتر الذي يقول بأن من شأن نظرة الغير إلى الأنا أو العكس أن تحيل أحدهما إلى موضوع.

  الحرية هي جوهر الوجود الإنساني، غير انها ليست مطلقة بما أن الإنسان لا يعيش وحيداً في هذا الكون.

يرى ميرلوبونتي أن الحرية هي جوهر الوجود الإنساني، وهو يشترك في ذلك مع كل الفلاسفة الوجوديين، على الرغم من بعض الإضافات التي أجراها على الموقف السائد للوجوديين تجاه الحرية، وذلك بغية التخفيف من إطلاقية الحرية التي دعت إليها الوجودية،وقد دعم موقفه باعتبار الإنسان كائناً واعياً ومسؤولا عن وعيه، لذلك فهو يستطيع الانفصال عن الواقع بفعل تلك الحرية التي تشكل جوهر وجوده، غير أنه لم يتفق مع سارتر في كونها الوسيلة التي يستطيع بها المرء تجاوز كل الحدود التي تقف في طريقه، وبهذا القول لا يتفق ميرلو بونتي مع سارتر، الذي رأى بأن حرية الإنسان هي حرية مطلقة، حيث أكد أن من شأن ذلك أن يجعل من الإنسان يغفل التزاماته، فلا حرية بدون التزام، وبما أن الإنسان لا يعيش وحيداً في هذا العالم، بل يتقاسمه مع آخرين، فلابد أن يمارس حريته في نطاق الشروط التي يضعها هذا الوجود وهذا لا يعتبر حداً لحريته، بل إن ذات الإنسان تتفاعل بصورة مستمرة مع الذوات الأخرى بما يحفظ لكل واحدة منها خصوصياتها وبالتالي حرياتها في التصرف والاختيار ضمن هذا التفاعل.

بعد أن نقش اسمه بين أعظم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين، وبعد أن أسس لحرية يحترم فيها الإنسان الآخرين، ويحترم وجوده في نطاق الشروط التي يضعها هذا الوجود، وبعد أن اكتسى موضوع الجسد في فلسفته أهمية بالغة، حيث عالجه من جوانب عدة بداية من الإدراك الحسي والرؤية مروراً بالحركة والنزعة الجنسية، حيث أعطى للجسد دورا مهماً يتجاوز الطرح الفلسفي الكلاسيكي الذي ترك مشكلة تعارض بين الفكر والمادة.

غادر الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي الحياة في 3 مايو(أيار) عام 1961.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق