داريوش شايغان: أنا شرقي الهوى وغربي العقل
22 اغسطس (آب) 2014 21:00 | 0 تعليق

داريوش شايغان -(أرشيفية)
ذوات

أكد المفكر الإصلاحي الفرنسي من أصل إيراني داريوش شايغان أن عصر الأنوار كان منعطفاً تاريخياً، وخصّ بالذكر الأنوار التي انطلقت منذ القرن الثامن عشر، ما دامت قد أسّست على الخصوص لوعي الإنسان بأهمية حريته، موازاة الوعي بأهمية جلالة السلطة وسمو المقدس، بتعبير كانط.

المفارقة، يضيف شايغان، في حوار مطول جاء في العدد الأخير من مجلة "لوموند ـ الحياة" عددها الخاص بتاريخ الحضارات، أنه من أجل تفعيل الفردانية وروحانيات الأشخاص، ومنها مختلف أناط التديّن، لا بد من فضاء علماني، تحت وصاية دولة الحق، وتحت حماية مؤسسات عقلانية وديمقراطية. ومن هنا فإن منبع قوة مغامرة الحداثة التي تبقى حركة كبرى للتحرر الإنساني، وفي الحالة الإسلامية، عند المسلمين بشكل عام، الدين يُقيد الحياة الخاصة.

شايغان اعتبر أيضاً أنه بدون الفصل بين الضروري بين الإيمان/ العقيدة والمعرفة، ما كنا لنصل إلى نضال امتد إلى أربعة قرون أنتج لنا العلمانية التي أنتجت بدورها تصوراً مدنساً للديمقراطية.

وبخصوص واقع الحضارات، (محور العدد السنوي للمجلة)، أضاف شايغان أنه لا يمكن الحديث عن حضارات خالصة، لأن الأمر هنا مجرد وهم، قائلا: "عندما أصدرت كتابي "الأنوار قادمة من الغرب"، فوجئت بالتفاعل الإيجابي من طرف القارئ الإيراني، ولأول مرة أعاين تخلي هذا القارئ عن تلك الثنائيات الحدية: الشرق ـ الغرب؛ التراث ـ المعاصرة؛ لصالح تثاقف وتنوع ثقافي أوسع". ثم إن "الحضارة الغربية أصبحت مكوناً رئيسياً من الحضارات الكونية، وكل هوية حضارية جديدة، تسعى إلى نفي باقي الحضارات أو معاكسة قيم الأنوار، ستسقط لا محالة في نوع من الظلامية".

"أنا شرقي الهوى"، يضيف شايغان، و"لكنني أيضا غربي العقل، وغربي بسبب إيماني بقيم كونية، وهذا يترجم ما يُشبه حالة شيزوفرنية أعاني منها، كما هو الحال مع أغلب أبناء جيلي في إيران. وكل اختزال لهذه الهوية في هذا الشق أو غيره، (الأسطورة أو العقل مثلاً) ستؤدي بنا لا محالة إلى منعطف لم نحسم معه بعد".

شايغان: الغرب هو ذروة الحداثة، وبعد هذه الذروة، هناك منعطف جديد لا يكون إلا روحياً

وحول مقاومة أو رفض قيم الأنوار، وقبل اتهام المسلمين بذلك مثلاً، من خلال الحديث عن الحقد على الغرب، يُذكر شايغان قارئ العدد أن هذا الرفض بدأ في بلاد الأنوار ذاتها، ابتداءً من القرن الثامن عشر، سواء عبر ثورة الألمان ضد الهيمنة الثقافية الفرنسية، أو الأدبيات السلافية لاحقاً في القرن الموالي، والتي حررها دوستويفسكي وتولستوي، وهو الرفض الذي نعاينه اليوم، منذ منتصف القرن العشرين في العديد من دول العالم الثالث. أما الحديث عن أفول الغرب، فهذا حديث متكرر منذ زمان، سواء عبر عدمية نيتشه سبب ضرائب التقدم، أو إعلان شبنغلر عن أفول الثقافة الفاوتسية، وأخيراً، إعلان مارتن هايدغر موت الفلسفة. والغريب أنه رغم هذه الإعلانات، نعاين اليوم صعوداً لافتاً لطوائف دينية من خارج الديانات السماوية، وفي شتى القارات، وخاصة القارات الأمريكية والأوروبية والأسيوية.

الغرب بالنسبة لي، ينهي شايغان الحوار المطول، هو "ذروة الحداثة، وبعد هذه الذروة، هناك منعطف جديد لا يكون إلا روحياً، لأنه بتعبير فاغنر، "علاج الأم يتم بالآلة التي تسببت فيه".

جدير بالذكر، أن العدد المعني في هذه المادة الحوارية (من ص 180 إلى ص 183)، هو عدد سنوي، ومشترك بين يومية "لوموند" (Le Monde) ومجلة "الحياة" (La Vie) (صدر العدد مؤخرا، صيف 2014، وجاء في 188 صفحة)، وكانت محاور الأعداد السنوية السابقة مخصصة للمواضيع التالية: الحضارات، الهجرة، الأقليات، العولمة، اليوتوبيا، والمستقبل.

ومن باب التذكير أيضاً داريوش شايغان فيلسوف ومفكّر إيراني معاصر من مواليد 1935، تلميذ المستشرق هنري كوربان، حاصل على شهادة دكتوراه دولة في الهندوسية والصوفية، أستاذ جامعي للفلسفة المقارنة، مدير المركز الإيراني للدراسات الحضارية، مدير معهد الدراسات الإسماعلية في باريس.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق