جندي فلسطيني يداعب الزناد ويرسم بالمسدس
09 يونيو (حزيران) 2014 08:42 | 0 تعليق |
أن يتحول الجندي إلى فنان، وآلة القتل (المسدس) إلى أداة للخروج بأعمال فنية إبداعية، أمرٌ فيه شيء من الغرابة والجدّة.
ففي عمله الأخير "أداعب الزناد"، يستعمل الفنان الفلسطيني خالد جرار، وهو جندي سابق في أحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، السلاح بالفعل بل ويطلق النار أيضاً.. يطلق على قوارير مليئة بالطلاء فتنفجر عندئذ على مسطحات القماش الموزعة حولها صانعة لوحات غريبة.
لربما لو أن شخصاً آخر قام بعمل هذه "اللوحات الأدائية" لما منحنا ذلك أكثر من اختلاس لمحة من تاريخ الفن الغني بمثل هذه الأداءات.. لكن عندما يفعلها جندي سابق، تصبح أكثر من مجرد عمل فني.. عمله هذا شكّل صدمة نابعة من استبطان لماضٍ شكّله قسراً كما شكّل العديد من أبناء موطنه.
في معرض جرار، الذي اختتم أعماله في باريس، ويتواصل في "جاليري ون" بمدينة رام الله، وبسبب استحالة الإطلاق في الشوارع أو الصحراء أو أي مكان عام، أجبر الفنان على بناء غرفة عازلة للصوت في مكان سري بدولة ما، مستخدماً في الأساس "كراتين البيض"، وألواحاً خشبية، وحاوية كبيرة ملئت بالرمل لتمنع الرصاصة من الارتداد تجاه أي شخص.
"لدي خياران: أن أقاتل، أو أن أقاتل، لكنني اخترت أن أقاتل بالفن" .. برفق أضغط على الزناد فتنطلق الرصاصة قاطعة مئات الأمتار في أقل من ثانية.. إطلاقها يكون دوماً شيئاً حساساً ورقيقاً "يشبه لمس شيء لم يلمس أبداً".. بلا شك، ستنطلق الرصاصة بسرعة وتصيب الهدف محدثة أشكالاً باللون، فتكشف بذلك عن مدى العجز في حال رآنا الآخرون، قال الفنان خالد جرار.
وأكد، وهو الذي قدم أفلاماً ومعارض ومبادرات فنية مبتكرة ومثيرة للاهتمام والإعجاب: حاولت أن أوجد منهجية تتيح لي إنتاج الفن باستخدام بعض من مهارات القتل التي تعلمتها خلال تدريبي كجندي، لذلك فإنني أرى هذه الطريقة كمساحة من الاستعارات لكل من مساحتي الشخصية والنزوح، تعرض تجانساً حقيقياً بين مهاراتي المتراكمة وتصف انضباطي المكتسب.. تم تدريبي لأطلق النار، لأتبع القواعد، وأنا أجيد ذلك.
حقيقة أن خالد جرار جندي سابق لم تساعده في تسهيل حصوله على طلقات.... كان مقيّداً بالإطلاق في مساحة 7ر3 متراً مربعاً، وهذا ما زاد من خطورة عمل جرار الأدائي، ولذلك، ومن أجل عدم المخاطرة بحياة شخص آخر قام بتوثيق خطوات العملية بنفسه، أما بالنسبة للوحات، رغم أنها تشبه أعمال التجريد، لطخة وسط قماش رسم أبيض، إلا أنها مرفقة بجانب أدائي نفسي وجسدي قوي، ما بين الفن والعسكرية، الفنان والجندي، العنف والفعل.. لكنها فوق ذلك كله تدفع حدود الفهم النفسي نحو أننا قد نكون نعيش في مجتمع عدواني.. هذه الرصاصات قد تصيبك لكنها لن تقتلك، ستجعلك أقوى وأوعى.
منذ كان صغيراً، وخالد جرار مولع بالرسم، لذلك فإن الرسم بإطلاق النار، مشروع يبدأ من خلاله بتحقيق رغبته في الرسم على نحو ما، من خلال مهاراته المكتسبة كجندي في إطلاق النار.. الإجراءات لإتمام هذا المشروع كانت غاية في التعقيد، ليس فقط للحصول على الطلقات بل بسائر المحددات المرتبطة بتنفيذ المشروع.
ويخلص جرار إلى أن الهدف الرئيسي من كل ذلك التدريب أن أصبح خبيراً في إطلاق النار وفي التمويه.. علموني أن أصيب الهدف، بسرعة ودقة، وأن أستعمل ما يحيط بي لأموه نفسي.. بعض التمارين هدفت إلى إجباري على صنع زيي الخاص، كما الحرباء، يصعب إدراك وجودها داخل محيطها، لذلك، جمعت بين هاتين المهارتين المكتسبتين في تنفيذ هذا العمل الفني.
عمل جرار كضابط عسكري، وخاض رحلة شخصية فك خلالها قيوده كجندي وحوّل نفسه فيها إلى فنان.. تلك التجربة الذاتية للتحرر من طرق العيش الانضباطية أصبحت فكرة بارزة في عدد من أعماله، حيث خصص عدداً هائلاً من أعماله للعسكرية.
أول عمل أدائي شهير له "الجندي" في العام 2009 الذي عرض في رام الله، أظهره واقفاً بالزي العسكري على قاعدة تمثال، وفي في "جندي مطيع" العام 2012 عرض خالد صوراً رسمية لزملائه الجنود في الكتيبة، وأضاف لها فيديو يوثق عملية تصويره لهم، فيما الجنود مصطفون بانتظار الأوامر، في زيهم، يتم استدعاؤهم واحداً تلو الآخر لتصويرهم من قبل الفنان، وفي "أنا جندي" العام 2011، شاهدنا صورة جوية لكتيبة تنتظم وتتحرك، بينما تسقط عليهم أشعة شمس الظهيرة من زوايا مختلفة فتنشئ أشكالاً مختلفة من الظل الممطوط، لكن عندما تتحرك المجموعة يستطيل ظلهم تحت الشمس فيذكرنا بأفراد الوحدة.
تفسح أعمال جرار المجال للإيمان بحرية التفكير خارج الإطار، حيث يغدو الفن حيزاً يتم فيه اختبار استقلالية الأفكار وحرية المخيلة، وبأسلوبه يستكشف طرقاً جديدة لإنشاء واقع بديل لمقاومة الاحتلال، عبر مداعبة الزناد، وإطلاق الرصاص على البشاعة والظلم.
أضف تعليقاً
* اختياري
