باحثون مغاربة يحذرون من طغيان الفردانية في المجتمع
25 يونيو (حزيران) 2014 17:00 | 0 تعليق

جانب من الندوة بمقر المركز بالرباط - (ذوات)
الرباط - ذوات

ذكر المشاركون في ندوة "تحولات القيم الدينية والسياسية في المجتمع المغربي" أن المجتمع المغربي "فرداني"، وأن التحولات القيمية التي يشهدها المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة شديدة التعقيد، وحذروا من "لعبة ماكرة للقيم"، تلبس فيها القيم التقليدية لبوس الحداثة، كما قال المفكر المغربي محمد سبيلا.

واتفق المشاركون في هذه الندوة التي احتضنها أخيراً "المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية" بالرباط، على الطبيعة المعقدة للتحولات الجارية، معتبرين أن التحديث والتجديد لا يتصارعان فقط، بل يتعايشان ويستعيران من بعضهما البعض عدداً من الأقنعة في إطار نوع من الترميق الذي لا يخفي اتجاه المجتمع المغربي إلى مزيد من قيم الفردانية التي تعلي من شأن الفرد، وهو ما يجعل الفعل الجماعي في المغرب ضعيف الفعالية.

وركز كل من الباحثين: محمد سبيلا، وجمال خليل، ومحمد الصغير جنجار، المشاركين في هذه الندوة، على مجموعة من القضايا، وتساءلوا عن طبيعة التحولات القيمية التي يشهدها المجتمع المغربي، هل تنحو منحى حداثياً أم يغلب عليها التقليد والاستمرارية؟ وما دافعيتها السببية إن كان هناك من سبب؟ وهل تساهم في ترسيخ قيم الحرية والتعايش والتسامح والاعتراف؟ ثم ماذا عن الآراء الشائعة حول ما يتداول إعلامياً من تراجع القيم المجتمعية المسماة "أصيلةً"؟  وماذا عن قيم الحداثة وحقوق الإنسان هل ثمة قبول بها؟

خليل: فردانية المجتمع المغربي

وكشف الباحث وأستاذ السوسويولوجيا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، جمال خليل، أن المجتمع المغربي يظل رغم كل شيء مجتمعاً يتجه أكثر فأكثر نحو القيم الفردانية، لذلك فإن الفعل الجماعي سيظل أقل فعالية.

المجتمع المغربي يتجه أكثر نحو مزيد من الفردانية وبروز الفرد كوحدة مهمة

 وحول بعض اتجاهات القيم في المجتمع المغربي، استعرض الباحث جمال خليل نتائج دراسة ميدانية ستصدر قريباً أفادت بأن "المجتمع المغربي يتجه أكثر نحو مزيد من الفردانية وبروز الفرد كوحدة مهمة"، غير أن ذلك لا يعني نتيجة مطلقةً حيث أن الدراسة أثبتت أن "المغربي" يمتح من مختلف المنظومات حسب حاجته.

 وأوضحت نتائج الدراسة ذاتها وجود تناقض في تصورات الأفراد، حيث يعتبرون أن الاختلاف السياسي والديني والثقافي حق للجميع، ويرون أن هذا الاختلاف مهدد لوحدة المجتمع.

وقال خليل إن مؤسسات تمرير القيم ظلت واضحة المعالم إلى عهد قريب حيث أن مؤسسة الأسرة والمدرسة، ووسائل الإعلام، والمحيط، عناصر أساسية في هذا التمرير، لكن هذه العناصر ستعرف اختلالا بفعل دخول عناصر جديدة على خط تمرير القيم، خاصة مع ظهور الأنترنيت الذي مكن الناس العاديين من التحول من مجرد مستهلكين للمنتوجات المادية والثقافية إلى منتجين ومساهمين في بناء مضمونها.

واعترف خليل بصعوبة القبض على مكامن نسق شديد التعقيد وشديد الديناميكية من قبيل نسق القيم، مشيرا إلى أنه منظومة متحركة، ونظرا لتعدد مصادر التأثير فيه يصبح التكهن باتخاذ القيم هذا الاتجاه أو ذلك أمرا بالغ الصعوبة.

سبيلا: مكز القيم واستعاراتها

ومن جهته قال المفكر المغربي ومنسق الدائرة العلمية للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية، محمد سبيلا، أن قيم الحداثة والتحديث تتمحور حول نواتين أساسيتين هما نواة التمايز ونواة العقلنة، وشدد على ضرورة فهم العقلنة بما تعنيه من  قدرة على التدبير الحسابي للأهداف والغايات اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

تتمحور قيم الحداثة والتحديث حول نواتين أساسيتين هما نواة التمايز ونواة العقلنة 

وتطرق سبيلا إلى المفعول المزدوج للاستعمار الذي ينظر إليه كأداة، لكنه ساهم بالمقابل في عملية التحديث إن على المستوى الثقافي أو المادي للمجتمعات التي خضعت له، مشيرا إلى أن عملية التحديث عملية شمولية مست كل المناحي، لذلك فقوة القيم التحديثية مارست عنفا على البنيات التقليدية.

وفي تحليله لعلاقة القيم التقليدية بالقيم الحداثية، اعتبر سبيلا أن المنظومتين لا تتصارعان فقط، بل إن العلاقة بينهما قائمة على مجموعة من الأسس، وأنهما تتصارعان حيناً، وتتعايشان أحياناً أخرى، وتضطران إلى قبول مجموعة من التسويات بينهما، بل إن القيم الحداثية تستعير في بعض الحالات أقنعة التقليد لاستمرار تواجدها والعكس صحيح، كما تستعير القيم التقليدية لبوس الحداثة لفرض استمراريتها وهذا ما سماه سبيلا بـ "لعبة ماكرة للقيم".

جنجار: رجل الدين وهاجس الأصل

وبخصوص القيم الدينية وتحولاتها، قال الباحث الأنثروبولوجي محمد الصغير جنجار أن التغيير في القيم الدينية مسلمة أساسية في علم الاجتماع وفي العلوم الإنسانية، معتبرا أن عالم الاجتماع ليس من وظيفته تحديد القيم الملائمة من غيرها بل وظيفته هي دراسة وتحليل الوقائع الاجتماعية بعيدا عن الحكم عليها.

إن رجل الدين وأمام التغيير الكبير الذي يشاهده يحاول دائما تغليف التجديد بالأصل وجعل الجديد يلبس أقنعة الأصل

واعترف جنجار بأهمية تجاوز النظرة الخطية والقراءة من فوق للقيم لأن هذه المقاربة أثبتت خطأها، ولذلك، يقول الباحث، لا بد من العودة إلى النموذج التأويلي، حيث يجب إعطاء الأهمية للمعنى الذي يعطيه الفاعل لسلوكه وللظواهر.

وحول التجديد في الدين وفي القيم الدينية ذكر جنجار أن رجل الدين وأمام التغيير الكبير الذي يشاهده يحاول دائما تغليف التجديد بالأصل وجعل الجديد يلبس أقنعة الأصل، مضيفا أن المنظومة الدينية تتدبر عملية التجديد والتغيير من خلال الارتكاز على تصور مسبق للدين، باعتباره يجسد الحاضر والماضي والمستقبل.

وقال جنجار إن  الدين يتوفر على قدرة هائلة على امتصاص الجديد عبر تكرار الصلة بالأصل، معتبرا أن أحد البراديغمات الأساسية لفهم المجتمع المغربي واتجاهات القيم لديه هو براديغم الترميق، حيث تتم استعارة هذا المعين القيمي أو ذاك حسب السياقات وحسب الحاجات.

يُذكر أن المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية مؤسسة بحثية علمية عربية تأسست بالرباط من طرف ثلة من الباحثين، حيث تمكن المركز في غضون السنة الأولى من تأسيسه من تنشيط الحركية الثقافية المغربية من خلال احتضانه عددا من المحاضرات والندوات المحلية والدولية كان أبرزها سلسلة "آفاق الدولة المدنية بالعالم العربي" في أربع نسخ، بالإضافة إلى استضافة عدد من وجوه المشهد الثقافي العربي من تونس والجزائر وسوريا وفلسطين والعراق وغيرها.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق