الحمادي لمجلة "ذوات": الظاهرة الجهادية تعبير اعتراضي متطرف عن بؤسنا العربي والإسلامي
20 يناير 2015 | 0 تعليق
الباحث المغربي سمير الحمادي - (مجلة ذوات)
الظاهرة الجهادية عموماً، على المستويين المفهومي والتطبيقي، هي، في جوهرها، تعبير اعتراضي متطرف عن بؤسنا العربي والإسلامي في كل مجالات الحياة: تعبير صراعي حاد عن حقائق أزمتنا الحضارية الدائمة والضاغطة والمحرجة. وطالما أن هذه الأزمة مستمرة بلا أفق أو حل، بل هي ماضية في التطور والتراكم والانتشار، لا يمكن أن نتصور اختفاء "داعش" وغيرها من التعبيرات الجهادية.
أكد الباحث المغربي سمير الحمادي، أنالعامل العقدي (الجهادي)، على أهميته، ليس كافياً وحده لشرح صعود "داعش" على هذا النحو الكاسح، والذي جعلها تسيطر على مناطق واسعة في العراق وسورية، وتمحو الحدود بين البلدين لأول مرة في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، مضيفاً في هذا الحوار أن الصورة بالغة التعقيد، ولا يمكن النظر إليها من هذه الزاوية فقط، ومن هنا أهمية استحضار مجموع العوامل والتفاعلات التي تفسر هذا الصعود بشكل أكثر واقعية.
وأضاف الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية "الجهادية"، أن الظاهرة الجهادية عموماً، على المستويين المفهومي والتطبيقي، هي، في جوهرها، تعبير اعتراضي متطرف عن بؤسنا العربي والإسلامي في كل مجالات الحياة: تعبير صراعي حاد عن حقائق أزمتنا الحضارية الدائمة والضاغطة والمحرجة. وطالما أن هذه الأزمة مستمرة بلا أفق أو حل، بل هي ماضية في التطور والتراكم والانتشار، لا يمكن أن نتصور اختفاء "داعش" وغيرها من التعبيرات الجهادية، بنسقها الاعتقادي (التكفيري)، وبحواملها الفكرية / الأيديولوجية (العنفية)، من هذه المنطقة.
*في البداية، ما هو المدخل الذي يمكن في إطاره قراءة ظاهرة "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش): هل نحن أمام ظاهرة خاصة أم حالة تتحرك ضمن حدود سياق ما؟
-إن "القاعدة" وتفرعاتها من الحركات الجهادية التي كانت تواجه أزمة بعد انتكاس تجاربها في جبهات متعددة، وتراجع تأثير خطابها التعبوي، نجحت بسرعة في التكيف مع المعطيات الجيوسياسية الجديدة التي أفرزتها الثورات العربية، وهذا على عكس ما كان متوقعاً، إذ إن كثيراً من المحللين قدّروا أن هذه الثورات تمثل إعلان الوفاة الرسمي لأحلام المشروع الجهادي في المنطقة، بعد أن أسقطت الجماهير أربعة من أنظمة الاستبداد العربي بلا أفكار راديكالية وبلا عنف، لكن الذي حدث أن الجهاديين تجاوزوا لحظة الصدمة، ونجحوا في مواكبة التحولات الجارية والتفاعل معها، وكما فعل الإخوان المسلمون والسلفيون، عملوا على استغلالها و"التربح" منها، على النحو الذي يمنحهم مواقع أساسية داخل مشهد التغيير.
لذلك، من المهم جداً قراءة ظاهرة "داعش"، لا كحالة خاصة منفردة ومعزولة، ولكن في سياق صعود الظاهرة "الإسلاموية"، ومنها التيار الجهادي، في الزمن الثوري العربي.
إن ما يحدث مع "داعش" في العراق وسورية، ومع "أنصار الشريعة" في تونس وليبيا، ومع "قاعدة جزيرة العرب" في اليمن، ومع "أنصار بيت المقدس" في سيناء المصرية، فضلاً عن تصاعد نشاط مجموعات أخرى في منطقة الساحل والصحراء (القاعدة في المغرب الإسلامي، أنصار الدين، التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا) تحاول الاستفادة من توترات اللحظة لتعزيز نفوذها، هو الوجه الآخر للثورات العربية: الوجه السيئ الذي لا مناص من مواجهته.
أعتقد أن التحليل على هذا المستوى، سيكون مفهوماً بشكل جيد.
* ومع ذلك تشكل "داعش" معطى جديداً داخل المدار الجهادي..
-"داعش" هي النسخة الخامسة من "جماعة التوحيد والجهاد" التي أسسها الأردني أبو مصعب الزرقاوي في العراق، بُعيْد الغزو الأمريكي في مارس 2003. هذه الجماعة، كما هو معروف، مرت بمراحل متعددة: في أكتوبر 2004، أعلن الزرقاوي "البيعة" لأسامة بن لادن، فأصبح اسمها "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، وفي يناير 2006 جرى التحالف مع عدد من الفصائل الجهادية، فتم تغيير الاسم إلى "مجلس شورى المجاهدين"، وبعد مقتل الزرقاوي (يونيو 2006)، وتولي المصري عبد المنعم البدوي (أبو حمزة المهاجر) قيادة التنظيم، أُعلن عن تحالف جهادي أكبر، تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق" بقيادة حامد الزاوي (أبو عمر البغدادي). هذا الأخير، قتل في أبريل 2010، فخلفه المدعو إبراهيم البدري (أبو بكر البغدادي) الذي أعلن في أبريل 2013 عن تأسيس "داعش" كاندماج بين "الدولة الإسلامية في العراق" و"جبهة النصرة" في سورية، وهو القرار الذي عارضه أمير "النصرة" أبو محمد الجولاني، وأيده في ذلك زعيم "القاعدة" أيمن الظواهري الذي أمر بإلغاء مشروع هذا الاندماج، لكن البغدادي تجاوز الاثنين، واستمر في بناء شبكته الجهادية الخاصة في سورية، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير، إذ صارت "داعش" اليوم التنظيم الجهادي الأكبر والأهم، والأكثر خطورة في المنطقة كلها.
لم تظهر "داعش" إذن، من فراغ كما حدث مع "جبهة النصرة" وغيرها من التعبيرات الجهادية العاملة على الأراضي السورية، والتي لم يكن لها كيان سابق على الثورة، وإنما هي تنظيم له أصل وطموحات وتجربة ممتدة على مدى سنوات، لا بد من أخذها في الاعتبار، خصوصاً أن توجهاتها الفكرية والحركية الجهادية لا تشكل "قطيعة" مع ماضيها في العراق الذي كان قد انتهى إلى الفشل، لأسباب متعددة (منها هذا "الغلو" في التكفير والعنف الذي تشتهر به اليوم) إلى أن جاءت الثورة السورية لتمنحه "قبلة الحياة".
* ما هي أسباب صعود "داعش" في زمن قياسي مقارنة مع التنظيمات الجهادية الأخرى؟ وما هو المحدد الأكثر تأثيراً في هذا الصعود: المحدد الذاتي؛ بمعنى الأرضية العقدية التي ينطلق منها التنظيم، أم إن للأمر علاقة بالمعطيات الموضوعية الخارجية من قبيل السياسات العربية (في العراق وسورية خصوصاً)، وثقل الدور الأمريكي، والإيراني أيضاً، في مجريات الأزمة السورية؟
بالتأكيد العامل العقدي (الجهادي)، على أهميته، ليس كافياً وحده لشرح صعود "داعش" على هذا النحو الكاسح الذي جعلها تسيطر على مناطق واسعة في العراق وسورية، وتمحو الحدود بين البلدين لأول مرة في التاريخ العربي الحديث والمعاصر. الصورة بالغة التعقيد، ولا يمكن النظر إليها من هذه الزاوية فقط، بل لا بد من استحضار مجموع العوامل والتفاعلات التي تفسر هذا الصعود بشكل أكثر واقعية.
من هذا المنظور، علينا أن نميز بين مستويين:
أولاً: العوامل التي تخص "بيئة العمليات"، وهنا نشير إلى نقطة مهمة، وهي أن التنظيمات الجهادية، فضلاً عن قدرتها على اللعب، بورقة الطهرانية الدينية، على التظلمات السياسية (الاستبداد) والسوسيوـ اقتصادية (الفقر والتهميش) والثقافية (أزمات الهُوية)، تتميز بقدرة جيدة على التقاط فرص "فراغات السلطة" التي يخلّفها انهيار الأنظمة، أو تلك التي تخلقها التوترات والنزاعات السياسية والطائفية الحادة، والتمدد في مساحاتها.
إذا نظرنا إلى الوضع في العراق وسورية، نجد أن جميع متطلبات ظهور مقاومة جهادية على طريقة "داعش"، واحتضان أفكارها وتحركاتها موجودة؛ فانهيار مؤسسات الدولة في العراق (بعد الغزو الأمريكي في 2003) وفي سورية (بعد اندلاع الثورة في 2011)، والفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ناهيك عن الانفلات الأمني ومخاطره، وطائفية خطاب وسياسات السلطة الحاكمة (الشيعة في العراق والعلويين في سورية)، والاضطهاد النفسي للشارع السني، وممارسات القمع الوحشي ضد المتظاهرين السلميين (في الحالة السورية خصوصاً)، فضلاً عن التجاذبات الصراعية (على أرضية مذهبية) بين القوى الإقليمية (إيران والسعودية) التي يشكّل العراق وسورية مسرحين أساسيين لها، واستمرار خطط التدخل الغربي / الأمريكي في المنطقة، كلها عناصر شكلت "بيئة عمليات" مثالية استغلتها "داعش" للزحف وفرض سلطتها.
ثانياً: العوامل التي تخص التنظيم نفسه في تركيبته وقدراته؛ وتتلخص في الجانب الديني المتشدد الذي أشار إليه السؤال، وهو دافع مهم لا يمكن تجاهل تأثيره الميداني / العملياتي (عبر تفعيل مفاهيم "الجهاد" و"الشهادة")، بالإضافة إلى إمكانياته المادية واللوجستية الكبيرة، والخبرات العسكرية العالية لقياداته (منهم ضباط سابقون في الجيش العراقي) التي جعلت التنظيم قوة ضاربة، وهذا واضح من النتائج المتقدمة التي يحققها على الأرض، مع العلم أنه يقاتل على جبهتين في وقت واحد، ثم فعالية آلته الإعلامية التي تدير بكفاءة خاصة معاركه الموازية على الإنترنت: التحريض على "الجهاد"، واستقطاب مزيد من المقاتلين والأنصار والرد على انتقادات / طعون الخصوم والمخالفين.
إن هذه العوامل مجتمعة يؤلف بينها تساند وظيفي دقيق، وبالتالي يصعب الفصل بينها وتحديد المستوى الأكثر ثقلاً وتأثيراً، لأن الأمر يتعلق بظاهرة مركبة يتداخل في تكوينها، بشكل ارتوازي، الديني مع الطائفي مع السياسي مع العسكري، حيث لا يمكن النظر إليها وقراءتها من منظور واحد فقط.
*ما هي طبيعة الفكر الجهادي الذي تتبناه "داعش"، في ظل تواتر الشواهد عن غلوها الفكري، وتكفيرها للجماعات الجهادية الأخرى، واستحلال دماء المخالفين لها؟
تتبنى "داعش" الخط الأكثر راديكالية وعنفاً داخل التيار السلفي الجهادي. فهذا التيار، على عكس ما هو شائع، ليس متجانساً تماماً. هناك بعض الاختلافات أو التمايزات التي تخترق بنيته النظرية وتحد من وحدتها، وهي اختلافات / تمايزات فرعية لا علاقة لها بالأصول العامة، تظهر غالباً في حالات الاشتباك المباشر مع الواقع: في سلوك الجهاديين، وهم يحاولون تنزيل سردياتهم الفكرية على الأرض.
إن الجهاديين عموماً، يقفون في خندق واحد، لكن يمكن رصدهم من خلال ثلاثة خطوط أساسية؛ الأول متصلب جداً، في مقالاته وأقرب إلى المنهج التكفيري (الخارجي)، والثاني معتدل إلى حد ما (طبعاً بمعايير الاعتقاد الجهادي)، يحاول أن يراعي تحولات الظروف والتكيف معها في حدود (شرعية) معينة. أما الثالث، فهو أكثر انفتاحاً على مكونات الواقع واحتواء لها، يميل إلى نوع من "الذرائعية" التكتيكية للوصول إلى أهدافه (يمثله بالخصوص أبو مصعب السوري في كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"). لاحظ أننا نتحدث هنا على مستوى الفروع؛ أي تلك المسائل الاجتهادية التي يمكن، نسبياً، الاختلاف حولها، أما الأصول: التوحيد وأركانه وشروطه (الحاكمية، الكفر بالطاغوت، الولاء والبراء، الجهاد)، فهذه لا خلاف عليها بين الجهاديين جميعاً.
تنتمي "داعش" إلى الخط الأول، وهي تحاول باستمرار أن تنفي عن نفسها غلوها الديني، باتهام مخالفيها بتعمد تشويه صورتها والنيل منها معنوياً من خلال الافتراء عليها، لكن خطابها وممارساتها، يعبران عن نزعة تكفيرية صارخة، دفعت ثلاثة من كبار منظري الفكر السلفي الجهادي: أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني وأبو بصير الطرطوسي إلى مهاجمتها بشدة والتحذير منها، باعتبارها "فرقة من خوارج هذا العصر".
ومع ذلك، علينا أن نعترف بأنها، على الرغم من انكشاف توجهها التكفيري، والانتقادات الواسعة والموثقة التي تلاحقها من كل جهة، ما تزال قادرة على الحفاظ على تماسكها الأيديولوجي والتنظيمي، واستقطاب وتجنيد الأتباع من كل أنحاء العالم، وهذا راجع إلى فعالية منظومتها الدعائية، وإغراء القوة الذي جعلها قِبلة للباحثين عن "دار الخلافة" الموعودة.
* ما قصة هذه الخلافة التي أعلنتها "داعش" مؤخراً؟
-قد يكون من اللغو القول إنها خلافة باطلة لا تلزم إلا أصحابها، هي أشبه بإعلان تجاري سطحي لتسويق منتج ما، وهو هنا "تنظيم الدولة الإسلامية". تظن "داعش"، استناداً إلى توسعها الجغرافي، وإلى اندفاعاتها العسكرية، أن لها الغلبة المطلقة على الأرض، فمن حقها، أن تعلن "الخلافة" من أجل مأسسة سلطتها وفرض وجودها بشكل رسمي، والمثير في الأمر أنها لم تعلن "الخلافة" في مناطق نفوذها فقط، بل جاء الإعلان بصيغة "الولاية العامة" أو "الخلافة العظمى" على المسلمين في كل مكان، وطبعاً هذا هراء لا يستقيم لا مع الواقع، ولا مع أدبيات "السياسة الشرعية" في الإسلام السني التي تشترط لحصول "بيعة" من هذا النوع، أن تكون عن رضى وباتفاق أصحاب الأمر من أهل الشورى.
مشكلة "داعش" أنها تقدم نفسها، باعتبارها "جماعة المسلمين" (لاحظ أن هذا هو الاسم الذي أطلقه شكري مصطفى على تنظيمه "التكفير والهجرة" في مصر في سبعينيات القرن الماضي)، في حين أنها مجرد "جماعة من غلاة المسلمين" لا تعبر إلا عن أفكارها.
* لكن أين يقف تنظيم القاعدة من كل هذا؟
-يحاول أيمن الظواهري ألا يتورط مع "داعش" بعمق في سجالات إعلامية صاخبة، يغلب عليها الطابع الانفعالي تجنباً لتبعاتها على سمعة "القاعدة"، وعلى الحالة الجهادية بشكل عام، فهي انشقت عنه منذ البداية، واخترقت قواعد "البيعة" بشكل عملي، ولم تكتف بذلك، بل اندفعت بكل قوتها تحارب التنظيم المرتبط به في سورية (جبهة النصرة) في عروض دموية غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه، شنت عليه هجوماً عنيفاً في منابرها على الإنترنت، مقللة من شأنه ومشككة في قدراته القيادية والتزاماته الجهادية، ولأول مرة رأينا من الجهاديين، من يعلن أن الظواهري "يتلاعب بالأحكام الشرعية الواضحة"، و"يسالم الطواغيت والمرتدين"، وأنه "معوج الدين، منحرف المنهج..ضيع إرث أسامة.. وجعل من نفسه وقاعدته أضحوكة"، وهذا تحول كبير في العقل الجهادي: أن يتم كسر صورة / رمزية "القاعدة" بهذا الشكل الصادم على الملأ.
لقد أعلن الظواهري صراحة، أن "داعش" لا تمثل "القاعدة" لا في سورية ولا في غيرها، وأنها في طريق، وهو في طريق، وبدورها أعلنت "داعش" أن "الإمارة" أو "الدولة" لا تبايع تنظيماً، والحقيقة أن الأزمة / القطيعة بين الطرفين ليست حدثاً مفاجئاً. هناك اختلافات أساسية بينهما في الرؤية والاستراتيجيات، وكذلك في بعض الجزئيات الخاصة بالتكفير والعنف، فضلاً عن التنافس الشديد حول "امتياز" تمثيل الأصولية الجهادية العالمية في حربها "المقدسة" ضد "الكفر"، وبالتالي، كان من الطبيعي أن يفترقا في النهاية.
*كيف يمكن مواجهة "داعش" ومثيلاتها من التنظيمات الجهادية؟
-الظاهرة الجهادية عموماً، على المستويين المفهومي والتطبيقي، هي، في جوهرها، تعبير اعتراضي متطرف عن بؤسنا العربي والإسلامي في كل مجالات الحياة: تعبير صراعي حاد عن حقائق أزمتنا الحضارية الدائمة والضاغطة والمحرجة. وطالما أن هذه الأزمة مستمرة بلا أفق أو حل، بل هي ماضية في التطور والتراكم والانتشار، لا يمكن أن نتصور اختفاء "داعش" وغيرها من التعبيرات الجهادية، بنسقها الاعتقادي (التكفيري)، وبحواملها الفكرية / الأيديولوجية (العنفية) من هذه المنطقة؛ قد تتراجع في بعض الفترات، وقد تخفق في تجاربها هنا وهناك، لأسباب موضوعية مختلفة، لكن المؤكد أنها ستظل، بلا تمييز، قادرة على ملء فراغات تاريخنا الراهن، ما دامت دوافعها ومحرضاتها موجودة وفعالة.
إن الجهاديين ليسوا عابري سبيل في زمننا العربي، ولكنهم محصول هذه الأرض التي تعرّض فيها العقل الجمعي: الديني والسياسي والاجتماعي والعلمي، لانتهاكات صارخة على مدار قرون طويلة، وما يزال الحال على ما هو عليه، على الرغم من الجهود التي يقوم بها بعض النخب، بين الحين والآخر، من أجل تحرير العقل العربي ــ الإسلامي من إساره والخروج به من حالة الانكسار والتخلف و"الفوات التاريخي" التي طال أمدها.
العنف الديني الذي يمارسه الجهاديون أينما حلوا هو، في الأساس، ظاهرة فكرية (تراثية)، وهذا يعني أن التصدي له يجب أن يبدأ من هنا. إن المقاومة الفكرية هي الأهم والأكثر تأثيراً، لأنها تجرده من مدلولاته الرمزية (اللاهوتية)، وبالتالي تنزع عنه مسوغاته، وتحرمه من الحاضنة الشعبية، وتحوله إلى مجرد فعل إجرامي عادي، يمكن التعامل معه بفصول القانون الجنائي فقط.
قد يكون "دليل مكافحة التمرد" الأمريكي مفيداً، وقواعده فعالة في مواجهة تحركات الجهاديين على الجبهات: في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والصومال، لكنه وحده لا يستطيع القيام بالمهمة.
في العادة، تتألف استراتيجية مواجهة التطرف والعنف الديني من عدة أوراق / دوائر متداخلة. الدائرة الأمنية والعسكرية مهمة بالتأكيد، وكذلك الدائرة السوسيولوجية، لكن الصدارة يجب أن تكون للدائرة الفكرية. مفردات الإسلام التي اختطفها الجهاديون (والإسلاميون عموماً)، وصادروها لحسابهم لا بد من استعادتها، ولا بد من أن تُقرأ على الجميع بمدلولاتها الحقيقية، تُقرأ بلا تأويلات أو انحيازات، بلا مغالطات، كما جاءت في أصولها الطهرانية الأولى، بعيداً عن أقنعة الأيديولوجيا، ورهانات الحكم والسلطة، وحسابات الربح والخسارة، وادعاءات المتلاعبين بالعقول من وعاظ... وإخوان... وسلفيين... و"قاعدة".. ومنشقين عنها.
- حوار منشور ضمن ملف العدد الأول لـ "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية "الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج".
- لتصفح الحوار على صفحات المجلة يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":
http://goo.gl/ZuflSn
- لتصفح أعداد مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":
http://goo.gl/XvevRU
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

