ابن عربي يلقي بظلاله على مهرجان الثقافة الصوفية بفاس
28 مايو (أيار) 2014 08:35 | 0 تعليق | الرباط - ذوات
سعاد الحكيم - (ذوات)

ألقى الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي بظلاله على الدورة الثامنة من مهرجان الثقافة الصوفية بفاس، من خلال الحفلات الموسيقية، التي استوحت أشعاره، وتغنى بها مجموعة من الفنانين المتصوفة من العالم، حيث عرف حفل افتتاح المهرجان حضورا لأغاني الفلامنكو، المستوحاة من قصائد ابن عربي لفرقة "بكورو بنيانا"، وموشحات صوفية شرقية وغربية، ومن خلال، أيضا، الندوات والموائد المستديرة، التي اقتفى فيها الباحثون العرب والأجانب أثر المعلم الكبير ابن عربي، سيرته، أعماله، صور من الأنوثة لديه، ودين الحب لديه، وتفسير القرآن والحديث لديه، ومسالك الذكر والفكر لديه، والأثر الذي خلفه في المشرق والمغرب.
وككل دورة، عمل مهرجان الثقافة الصوفية بفاس في دورته الثامنة لهذا العام، المنظمة من طرف "جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية" من 12 إلى 19 أبريل (نيسان)، على جمع ثلة من المفكرين والباحثين من أجل التداول حول مفكر صوفي عربي، حيث خصصت هذه الدورة، التي حملت شعار "على خطى ابن عربي"، لسبر أغوار الموروث الثقافي الصوفي للشيخ ابن عربي، أحد أبرز شيوخ الفكر الصوفي والحكمة الإنسانية، الذي يلقب بـ "الشيخ الأكبر"، ويعد من أكثر المبدعين شمولية وعمقا في عالم التصوف، حسب توصيف رئيس المهرجان، فوزي الصقلي.
كما جرى تكريم تكرم واحدة من الأصوات النسائية الصادحة في سماء الفكر الصوفي المعاصر،و يتعلق الأمر بالباحثة اللبنانية سعاد الحكيم، التي لعبت دورا رائدا في الدراسات المعاصرة المتعلقة بابن عربي والغزالي، وكرست جهدها لدراسة التراث الصوفي، وعملت على إيصالها إلى فضاءات ثقافية عديدة في العالم الغربي بكل من إيطاليا وإسبانيا وانجلترا وأمريكا وفرنسا، قبل أن تنفتح على الفضاءات الثقافية العربية، وهي التي أكدت أن أهم ما علّمه إياها ابن عربي وعملت على إيصاله إلى العالم قناعتها ـ على حد قولها ـ أن كل شيء في هذا العالم مقدّس، نظرا لكونه ينتمي إلى الله ومن خلق الله.

اقتفاء أثر وفكر ابن عربي
ومن أبرز ما توقفت عنده المائدة المستديرة التي احتضنها متحف البطحاء بفاس، حول السيرة الذاتية لابن عربي، فكره الصوفي، الذي اعتبره الباحث المغربي في مجال الفكر الصوفي الإسلامي، محمد العدلوني الإدريسي، فكرا فلسفيا دقيقا، استطاع أن يشكل توليفا خلاقا بين العقل والوجدان، ليس بالمعنى العقلاني الاستدلالي لأرسطو، وإنما بمعنى خاص، يعتبر معرفة الله تأتى بالعقل، في حين أن معرفة الباطن تتأتى عن طريق أداة مغايرة، وهي الوجدان والحدس.
وأضاف العدلوني أن مذهب ابن عربي يتميز بصدقه وقدرته على الحفر في أعماق الفكر الإنساني، كما أن فكره يقوم على أساس إثبات دقيق للوحدة، مشيرا إلى أن عدم فهم الوحدة بدقة وعمق سيؤدي بالمفكر إلى الانزلاق والانحراف عن جادة الحقيقة.
وبخصوص البعد الأنثوي من المنظور الصوفي، وقف رئيس المهرجان، فوزي الصقلي، عند صور بعض الشخصيات التاريخية، كليلى ومايا في التراث الشعري العربي ما قبل الإسلام، والحب العذري الأفلاطوني، والتي تشكل الرموز المحورية للحب الكوني لدى المتصوفة، كما تم التعبير عنه في أشعار رابعة العدوية، والحلاج، وجلال الدين الرومي، وابن عربي.
وأشار الصقلي إلى أن الرومانسية الروحية لدى المتصوفة أضفت على النساء دلالة رمزية أساسية ساهمت في انتزاع الاعتراف بأهمية الموقع الذي يتبوأنه، حيث عملت الثقافة الصوفية على فتح الأعين على دور البعد الأنثوي في كل تنمية مجتمعية. واستعاد المعطى الأنثوي في الثقافة الصوفية، من خلال الحضور اللافت لبعض أهم الباحثات والمفكرات في التراث الصوفي الوطني والدولي، كالباحثة النيجيرية سلاماتو صو، والمغربيتين نزهة برادة، وسعدى ماء العيني، وغيرهما.

فيلم ناصر الخمير عن ابن عربي
وإلى جانب الموائد الفكرية، التي شارك فيها عدد من المحاضرين من المغرب ومن خارجه، قدم مهر جان الثقافة الصوفية بفاس عرضا للفيلم الوثائقي "البحث عن محيي الدين" للمخرج التونسي ناصر الخمير، الذي كرم فيه هذا المتصوف العربي في ثلاث ساعات، وقدم رحلة بحث عن هذه الشخصية عبر عشرة بلدان، تعرف من خلالها المشاهد على جوهر الديانة الإسلامية، وتتكون لديه فكرة واضحة للغاية من الإسلام.
وفي تصريح للصحافة ذكر المخرج التونسي ناصر الخمير، أنه أنجز هذا الفيلم الوثائقي لتكريم العملاق محيي الدين ابن عربي، وقال إنه من أهم أعلام التصوف الإسلامي، الذي ارتقى بحب الآخرين إلى منزلة الدين، مشيرا إلى أن هذا الفيلم تطلب منه أربع سنوات من العمل، وصور في عشر بلدان مختلفة.
و يتضمن الفيلم الوثائقي "البحث عن محيي الدين"، شهادات باحثين في الحضارة الإسلامية ومختصين في شخصية ابن عربي من مختلف البلدان العربية والغربية، الذين أدلوا بدلوهم في الذي لقب بـ"سلطان العارفين"، وبـ"البحر الزاخر"، ومن ألف قرابة 700 كتاب، أشهرها "الفتوحات المكية"، و"رسالة الحب والجمال"، و"التجليات"، و"ترجمان الأشواق". هذا إضافة إلى إبراز الجوانب الحداثية في فكر ابن عربي، خاصة ما يتعلق بالمرأة، حيث أفرد ابن عربي للمرأة مقاما على نفس درجة من المساواة مع الرجل، وكانت له نظرة سابقة لعصره في ما يتعلق بمكانتها في المجتمع.
ويتنقل الخمير في هذا الفيلم الوثائقي، في شخصية الرحالة التواق إلى المعرفة، تلبية لرغبة والده الذي طلب منه أن يوصل "أمانة" إلى ابن عربي، من اسبانيا حيث مسقط رأس العلامة إلى تركيا، ثم إلى المغرب، وإلى أمريكا وإنجلترا، ومنها إلى سوريا حيث يوجد ضريحه. وجاء الفيلم بمثابة رحلة بحث عن إنسانيّة العالم العربي المفقودة، والتي يعرف، ربما، بعض الغربيين صفحات منها أكثر مما نعرفه نحن.

حفلات موسيقية روحية
ولأن التصوف ذكر وفكر، فقد جمع مهرجان الثقافة الصوفية بفاس بين النقاشات الفكرية والحفلات الموسيقية الروحية، حيث عرف المهرجان أمسيات روحية أحيتها بعض المجموعات، التي تمثل أبرز الطرق الصوفية في المغرب (الشرقاوية، الوزانية، الحراقية، الصقلية، القادرية البوتشيشية...)، بالإضافة إلى طرق صوفية من بعض البلدان الإسلامية الأخرى (كالطريقة الخلواتية من تركيا، والطريقة القادرية من البوسنة والهرسك). إضافة إلى حفلات للسماع شارك فيها كل من الفنانين: عبد الرحيم الصويري، ومحمد باجدوب، ومروان حاجي، ومحمد عبد الفتاح بنيس، وسعيد الشرايبي، رفقة أوركسترا الفنان محمد بريول.
واختتم المهرجان، الذي تابع حفلاته جمهور مهتم من المغرب ومن عدد من بلدان العالم، بالإعلان عن مشروع تأسيس جامعة للثقافة الصوفية، ستترأسه "جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية"، منظمة مهرجان فاس للثقافة الصوفية، وهي الجامعة التي اقترح فوزي الصقلي، رئيس المهرجان، أن تكون مدينة فاس مقرا لها، لأنها، برأيه، مؤهلة لاحتضان هذه الجامعة، لتراثها الصوفي الغزير، ولكون مئات المتصوفة عاشوا في هذه المدينة، كما ذكرت ذلك التراجم الخاصة بالأولياء الصالحين.
يعد مهرجان فاس للثقافة الصوفية، الذي تنظمه "جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية" ويستقطب العديد من عشاق الموسيقى الصوفية من المغرب والخارج، إحدى المحطات الثقافية والفنية الكبرى التي تحتضنها مدينة فاس العريقة.
ويروم المهرجان، الذي نظمت دورته الأولى عام 2007، التعريف على المستوى العالمي بالصورة الإيجابية للإسلام، من خلال إبراز عمق ومقاصد ثقافة الانفتاح والتسامح، التي اعتمدها المتصوفة في تجاربهم، إضافة إلى تكريس ثقافة مشتركة ترتكز على قيم التعايش والتسامح والإخاء.

اضف تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق