ابن رشد: التأويل البرهاني يمنع اصطدام الشرع والعقل
23 اكتوبر 2014 | 0 تعليق

ابن رشد كما يبدو في رسم فلورنسي قديم يرقى إلى العام 1365م –(أرشيفية)
ذوات

يحضر ابن رشد في هذه القنطرة الحضارية الرهيبة التي يعيشها العرب والمسلمون، باعتباره رائد النظر العقلي في الإسلام، وأهم منظري التوفيق بين الفلسفة والشريعة، وتغليب النظر العقلي في الوجود اعتماداً على ما ورد في القرآن من حضّ على معرفة الموجودات (الله، والملائكة، الكون، إلخ..) من خلال القياس العقلي الذي يعتمد البراهين، وهو ما يوفره الجهاز المفاهيمي المتمثل في الفلسفة، وأداتها المنطق.

ويعتقد ابن رشد أن التأويل ضروري لصالح الدين والفلسفة، فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق معه من النصوص، وبالتالي فإن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع والعقل.

وفي كتابه "فصل المقال في التقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال" يؤكد ابن رشد أن الدين يوجب التفلسف، وأن الشرع فيه ظاهر وباطن، وأن التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والحكمة، أو بين الدين والفلسفة.

فالفلسفة ليست "شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع لمعرفة صنعها" فيما الشرع "تعلّم العلم الحق والعمل الحق، والعلم الحق هو معرفة الله وسائر الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريعة منها ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد  الشقاء".

ويذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر، منها قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار"، "أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء"، وفي نظره أن الاعتبار ليس إلا استنباط المجهول من المعلوم، وهو القياس العقلي أو الشرعي والعقلي معاً.

ابن رشد: إن فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع بمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم.

ويشدد ابن رشد على مبدأ القياس، وبأنه لا استغناء عنه، ويعده ضروريًّا، لافتاً إلى أنه لا مانع من الاستعانة بما قاله الفلاسفة السابقون، حتى ولو كانوا على غير ملتنا،فقاعدة استعانة المتأخر بالمتقدم تطبق هي نفسها أيضاً هنا "إذ إن صناعة أصول الفقه، والفقه نفسه لم يكمل النظر فيها إلا في زمان طويل. فإذا وجدنا للمتقدمين نظراً في الموجودات، أن ننظر فيه ونستعين به، وذلك كما سبق في المنطق، على شرط أن "ما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم".

ويتساءل ابن رشد: هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور النظر به، وهل هو على جهة الندب أم على جهة الوجوب؟
يقول: إن فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع بمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، حيث إن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلب معرفتها به، وذلك بيّن من غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى.

الشرع، إذاً، "حث على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان، وكان من الأفضل أو أن الأمر الضروري، لمن أراد أن يعلم الله تعالى وسائر الموجودات بالبرهان، أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها، وبماذا يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي، والقياس الخطابي، والقياس المغالطي، وكان لا يمكن ذلك دون أن يتقدم فيعرف قبل ذلك القياس المطلق، وكم أنواعه وما منه قياس وما منه ليس بقياس، وذلك لا يمكن أيضاً إلا ويتقدم فيعرف قبل ذلك أجزاء القياس التي منها تركب، أعني المقدمات وأنواعها، فقد يجب على المؤمن بالشرع الممتثل أمره بالنظر في الموجودات أن يتقدم قبل النظر فيعرف هذه الأشياء التي تكون من النظر مكانة الآلات من العمل، فإنه كما الفقيه يستنبط من الأمر بالتفقه في الأحكام وجوب معرفة المقاييس الفقهية على أنواعها، وما منها بقياس وما منها ليس بقياس كذلك يجب على العارف أن يستنبط من الأمر بالنظر في الموجودات وجوب معرفة القياس العقلي وأنواعه، بل هو أحرى بذلك، لأنه إذا كان الفقيه يستنبط من قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) وجوب معرفة القياس الفقهي، فكم بالحري والأوْلى أن يستنبط من ذلك العارف بالله وجوب معرفة القياس العقلي .."؟
ويتابع ابن رشد: ليس لقائل أن يقول إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، وهذا لم يكن في الصدر الأول، فإن النظر أيضاً في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول وليس يرى أنه بدعة.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق