أحلام مستغانمي .. فوضى حسد أم نسيان عابرٌ لا يليق
05 يونيو (حزيران) 2014 17:53 | 0 تعليق |
أحلام مستغانمي - (أرشيفية)
الرباط - المهدي حميش

"ما الذي يُخرج المرء عن صوابه غير أن يرى لصوصاً فوق المحاسبة ...ينهبون ولا يشبعون ويضعون يدهم في جيبك ويخطفون اللقمة من فمك ولا يستحون!  إنه القهر والظلم والحقرة ما أوصل الناس للجنون" بمعنى أو بآخر، بقصد أو بغير قصد ربما، كانت تلك عبارات للكاتبة الجزائرية وقبلها صاحبة الشعر والفن التشكيلي، أحلام مستغانمي، تحاول أن ترسل لمن تقصد في كلماتها هاته التي أدرجتها في روايتها الأخيرة "الأسود يليق بك".

ربما لأنها سئمت من كلام نقاد تفننوا في الإطاحة بها وتصيد هفواتها حسب ما يقول متتبعون، أو لأنها سبقت بالتهمة الغليظة (السرقة) من سيرمونها بها قبل موعدها، وإن كانت قد أرسلت لها من قبل حول روايتها "ذاكرة الجسد" قبل أن تحصل على البراءة "الموسومة".

من عائلة جزائرية كانت تقطن مدينة قسنطينة شرق البلاد، انحدرت أحلام في عز ثورة الجزائريين على ظلم الكولونيالية الفرنسية، لم يكتب لها أن تنزل أول مرة للدنيا ببلاد أجدادها، إذ كان للجو السياسي المشحون آنذاك وخوف أبيها المقاوم حينها والشهيد لاحقاً، سبب في هجرة اضطرارية للعائلة نحو تونس الخضراء، هناك كان مسقط رأس أحلام، لكن وعيها ووطنيتها وحبها لأصلها وحنينها لأرضها الأم، دام في قلبها إلى أن حل فجر استقلال أرض المليون شهيد، لتعود رفقة عائلتها للتربة التي طال شوقها لها.

كانت من المحظوظات عندما تعلمت العربية في أول مدرسة أنشئت بعد الاستقلال في مواجهة الفرنكوفونية التي خلفها استعمار دولة نابليون، فكانت بداياتها الأدبية مع الشعر، مبكراً جداً لتستثمره أكثر لدى اشتغالها بالإذاعة الوطنية وبرنامجها "همسات" الذي كان محطة تفاعل بينها وبين موهبتها وجمهورها، لتصدر دوانين شعريين اثنين بعد ذلك، الأول بعنوان "على مرفأ الأيام" عام 1973 والثاني بعنوان "كتابة في لحظة عري" عام 1976.

كان الشعر وحب الوطن ومثال الأب، تقريباً آخر عهد أحلام مستغانمي ببلدها الجزائر، إذ ستختار كما اختار عديدون من أبناء وطنها، الهجرة من جديد لبلاد فرنسا، لاستكمال التعليم وبدء مشوار جديد في الحياة، وهنا يقال أن أحلام، غيرت مسارها كثيراً بقرارها هذا، بل وثقافتها وحتى حسها الأدبي بمزجه بذلك "الإفرنجي"، لكن ورغم أن الأب كان يريد لفتاته المدللة أن تكون وطنية عربية لحدود الإدمان، إلا أن الظروف المحيطة أحياناً تصنع الطريق الجديد دون إذن مسبق، لكن الأصل يبقى أصلاً، والمبادئ المنقوشة على حجر، لا يمكنها أن تمحى، فكان من بين ما كان توجه أحلام بأدبياتها خلال فترة دراستها وحصولها على الدكتوراة وزواجها من لبناني وأمومتها، إلى عالم الكتابة الروائية آتية له من الشعر والرسم لأنها كما تقول "كانت محاولة بالأزل، فأنا لا أقوم بجهد حين أرسم، فهي ليست أزراراً، هي كالخلية الدموية، والظروف هي التي تجعلنا نشعر بالزخم الشعري، فنحن مثلاً لا نطبخ اليوم وغدا نقوم بالأشغال المنزلية، الكتابة والرسم هي ردود فعل لمعايشات، الكتابةنوع من الانهماك السري في الحياة، هي في البداية مناجاة ولغة مختزلة، وبعد أن كتبت الشعر، كتبت الرواية التي جاءت متأخرة، جاءت نتيجة لمعايشة أشياء صعبة عجز الشعر عن معايشتها، فبحثت عن فضاء أكبر، لم أكن أنوي النشر في البداية، فعلت ذلك لأخلق واداً أنفخ فيه صرخاتي وميولاتي وكذا كل الأحاسيس التي تخالجني والتي لا يعجز البوح عنها إلا القلم والكلمة".

"ذاكرة الجسد" كانت أول ما جادت به أحلام مستغانمي في مسارها الروائي، وكانت بداية لثلاثية ستصنع الفارق وتكسبها شهرة ما بعدها شهرة، وكانت في الوقت ذاته بداية للعنها "وتبيين حقائقها" على رأي البعض، كانت ذاكرة الجسد لأول من قرأها رواية ليست على عادة الروايات، لا مضموناً ولا شكلاً، فقد كانت تجمع تاريخ ثورة بلادها واعتزازها به، وكانت لروح أبيها ولروح الكاتب الجزائري مالك حداد الذي تحدى غول الفرانكوفونية ولم يرض أن يكتب بها عهدة على نفسه بعد الاستقلال، بل وكانت ذاكرة الجسد أول غيث أدبي تنتجه كاتبة جزائرية ويصل للعالمية هكذا، بل وكان شيئاً عجيباً أن تتحدث فيه امرأة على لسان رجل، وبأحاسيس الرجل اتجاه المرأة، كانت ذاكرة الجسد المفاجأة الكبرى للجميع، فقد حققت مبيعاتها آلاف النسخ وصنعت معها الصدمة الأدبية لجميع المراقبين، فالجميع بالعالم العربي بدأ يقرأ فجأة بنهم ولهفة، كان ذلك عام 1993، لتتوالى النسخ المباعة بشكل مهول، والطبعات المسترسلة التي فاقت ال20 طبعة في ظرف وجيز، لم يكن مفاجئاً أن يتجه الويل لذاكرة الجسد التي أشير لها بالأصابع، حين وصفت بأنها مجرد سرقة موصوفة من أدبيات الروائي سعدي يوسف، ليتبين فيما بعد أن الأمر متعلق فقط بتصحيحه لها، بل وهناك من قال بأن الرواية كانت منحة سخية من نزار قباني لأحلام، وهو الذي وقع عليها عام 1995 قائلاً "روايتها دوختني. وأنا نادراَ ما أدوخ أمام رواية من الروايات. وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق، فهو مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وانساني، وشهواني، وخارج على القانون مثلي(...)هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تَكتُبُني) دون أن تدري.. لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء، بجماليةٍ لا حدّ لها".

لم تتوقف القذفات التي تلقتها أحلام مستغانمي من المعارضين والنقاد والأدباء وأصحاب حرفتها والعارفين بخبايا التدوين الروائي، وفي المقابل لم تتوقف هي في انتاج سلسلتها، المكملة لذاكرة الجسد في ثلاثية "فوضى الحواس" و"عابر سرير" بين سنتي 1997 و2003، فقد أصبحت أحلام هدفاً جديداً بما تكتبه، بين من يصفها بالمتشبعة بالفرنسية والمحاولة لقلب التعابير البليغة للعربية بين دفتي التعريب الفرانكوفوني، وبين من يصفها بتحقير المرأة المحجبة في ثلاثيتها، ومن يدعوها لتوبة أدبية على توظيفها قصة امرأة متزوجة تسعى لإقامة علاقة غرامية مع عشيق آخر.

بل القادم أكبر، "فأحلام مجرد امرأة ثرثارة، وهي تكتب الكلام ولا تكتب الرواية، بمعنى آخر تكتب "كلام النسوان" ففرق أن تكون كاتباً وأن تكون متكلماً كاتباً"، يضيف أحد النقاد، وآخر يقول لها بالكلمة المركزة "جميلة أنت يا أحلام ، ترسمين بثرثرة مفرطة في الثرثرة صورة لأحاديث جانبية، لا أنكر صدقها"، ومنهم من لم يجد "فرقا وهو يقرأ لأحلام بين عمودها بمجلة زهرة الخليج عندما كانت تكتب هناك، وبين ثلاثيتها وحتى رباعيتها!"، "أحلام أنت فقط تكتبين ما يريده الجمهور لأنه على مقاس إدراكهم، لا تبحثين عن عناء التطوير"، "شخصية أحلام مستغانمي، "دون كيشوت"، الذي يحارب طواحين الهواء، ويخلق لنفسه محاربين وهميين ويخرج لمحاربتهم"، "إن أحلام مستغانمي في رأيي ليست إلا شخصية استعراضية".

كم هو كفيل بكل ما قيل ومازال في أحلام مستغانمي أن يصدر في مؤلف وكتاب ولو على مقياس زعزعة المسار ليسير في مسار آخر قويم، وكم هو قوي أن تطبق فعلاً معنى المقولة الشهيرة "اعمل ودعهم يتكلمون" فما من شيء أصعب على النفس من تلقي الكدمات والسير بثبات.

ما عرف لاحقاً عن أحلام أنها تستسيغ الضربات ولا ترد باللكمات خصومها، بل تكتفي بالصمت الذي يوصف بالحكمة عند البلغاء، أو على الأقل تختار أجوبة أدبية تحمل معها رد الثأر بالعبارات المحبكة، ولا أدل على ذلك من روايتها "نسيان com" التي جعلتها لقصف الرجال بمدافع النساء، كما حللها البعض، لأن جل منتقديها السابقين كانوا رجالاً، ولكي تفعل بهم ما فعلوا بها، فقد قررت ضربهم من أحاسيسهم، ولا دليل هنا أكثر من إدراج عبارة "يحظر بيعه للرجال" باللون الأحمر على غلاف المؤلف المذكور، والتي قرئت أيضاً على أنها استفزاز لهؤلاء "الرجال" وجلبهم بدافع التحدي ليسمعوا كلاماً يحركهم، أو ربما كما يضيف القارئون "الرجال" لزيادة اللهف التجاري على الرواية.

في لحظة من اللحظات ذهبت أحلام في وصاياها لبنات حواء على أبناء آدم، حتى قالت "لا تطمئنّي إلى رجل انصرف عن طاعة الله مأخوذاً بدنياه، إن من لا يعترف بفضل الله عليه لن يعترف بجميلك، ومن لا يستحي من ملاقاة الله مذنباً، سُيذنب في حقّك من دون شعور بالذنب، ومن ترك صلاته وصيامه بذرائع واهية، وتربّى عليها، سيعثر حين يشاء على الذرائع التي يحتاج إليها لتركك"، وهي الكلمات التي جلبت لها من الكلام الكبير مجدداً ما أنساها تخصصها، حتى قال أحدهم "أحلام أصبحت داعية، بعد عشر سنوات ماذا سيبقى من أحلام؟ لا شيء سوى آثار تنهدات عشاق عاديين، ونصائح لزواج موافق ومستقر، بعد ألف عام ماذا سيبقى من دستوفسكي سوى روح الوجود، انتظروا رواية أحلام مستغانمي القادمة بعنوان (الدعوة دوت كوم) !!!".

جدلية أحلام مستغانمي لم تقف عند حدود النقد المتتالي بل إن كثيرين من الأدباء ممن يعرفونها انبروا لمنتقديها بسيف اللسان ليردوا الثأر ثأرين ويدفعوا عنها التهم، فالروائي محمد ساري يعتقد أنّ "لأحلام مستغانمي جاذبية خاصة، وهي جاذبية بقطبين متناقضين تمام التناقض. فبقدر إعجاب نوع من القرّاء بثلاثيتها ''المبجّلة'' وتهافتهم على شراء كتبها والإصرار على لقائها والفوز بتوقيعها، بقدر نفور نوع آخر من القرّاء الذي شكّك أوّلاً في أنْ تكون هي كاتبة ''ذاكرة الجسد''، ويضيف ''ما الذي أثار هؤلاء الكتاب لانتقاد نص أحلام مستغانمي، علماً بأن النصوص الرديئة منتشرة بكثـرة؟ هل هم مستاؤون من هذه المبيعات المهولة واستقطاب الكاتبة لأشهر أكبر وسائل الإعلام؟ المعادلة معقّدة ومضلّلة. فهل يمكن الجمع بين الجودة والانتشار الجماهيري؟''. ليجيب قائلاً: ''المتعارف عليه أنّ النص الجيّد تقرأه النخبة، والنخبة في الوطن العربي عددها ضئيل، نظراً لمبيعات أكبر الكتاب التي لا تتجاوز بضعة آلاف''.

أما الشاعر الجزائري سليمان جوادي فقد ذهب بعيداً عند دوده عن الشرف الأدبي لمرأة وطنه حين قال "أن هناك بعض المشارقة الذين ما زالت، مع الأسف، تتملكهم عقدة التفوّق حتى ظلوا يراوحون مكانهم، وأصبحوا يستكثـرون على الجزائر، والمغرب العربي عموماً، ظهور كتاب كبار بالعربية، زاحموهم في عقر دارهم، ونافسوهم منافسة لم تخطر لهم ببال، ولم يجدوا غير هذه السفسطة الفارغة للنيل من هذا التفوّق ومحاولة الحدّ من التقدم الكاسح للأدب المغاربي. الجميل في هذا الصراع أنه صراع من جانب واحد، فأحلام أدركت أن الرد على هؤلاء هو إعطاؤهم فرصة للظهور على حسابها. قلت ما قلت، وأنا لا أنفي الحق في النقد، بل حتى في الانتقاد، خاصة إذا كان على أسس موضوعية وبشواهد من أعمال الكاتبة. أما أن تكون مجرّد ادّعاءات وافتراءات، فهذا ما لا يقبل أبداً، ويجب الوقوف ضده".

إن استطاع المرء أن يقف في الوسط وهو يعالج "ظاهرة أحلام مستغانمي" إن صحت العبارة، فسيجد نفسه وسط صراع أدبي رفيع، يمنح الحق لطرف وينزعه من الآخر، فبالمحصلة حسب رأي "المستغانميين" فإن وجود أحلام يمنح روحا جديدة لعالم التأليف والقراءة واللغة في العالم العربي، وهو الفضاء الذي عانى الركود والغفلة لعصور، فكم هو جميل أن تجد ملايين نسخ كتاب ما تباع وتوزع بغض النظر عن قيمة ومستوى المحتوى المكتوب، لأنه على الأقل محاولة رفيعة لتكسير المكبوت من العزوف عن القراءة، وتوسيع نطاق الاهتمام بالحرف والورق، ولعل الواقعة الجديدة التي استأثرت الاهتمام مؤخراً بقضية مستغانمي، من إقدام أحد أصحاب دور النشر على جمع مقتطفات كتاباتها المتناثرة ونشرها عبر كتاب، والإقبال الذي لاقاه هذا الأمر وما تبعه من رفع قضية على حقوق الملكية دليل لصالح أحلام وفريقها.

لكن هذا الأمر يعتبر عند المعارضين غير مساوي للمعقول من حيث أن أسلوب مستغانمي مبتذل لدرجة يجعل اللغة العربية الشامخة، ممتهنة بين يدي كاتبة تكرس يوما بعد آخر بامتياز شهرتها التي صنعتها لها أبواق الإعلام، أسلوب التدني اللغوي، ودليلهم في هذا روايتها الأخيرة "الأسود يليق بك" والتي كانت خليطاً بين التدريج والتلهيج والتعريب الغير المنضبط، إضافة لاستعمال اللغات الأجنبية ذاتها، ما جعل العمل حسب أحد النقاد اللغويين وهو مولود بن زادي يقول "أنُؤْثِرُ الكِتابة باللٌّغَة العَرَبِيَّة ونعدّ أنفسنا من المساهمين في إثراء أدبها، ومن رواد نهضتها ولا نراعي حتى أحكامها؟!.. أنملأ كتاباتنا بلهجاتنا العَامِّيَّة المعقّدة المتفشيَّة في بلادنا العَرَبِيَّة اليسِيرَة منها والعَسِيرَة ونعدّ ما نكتبه أدباَ عربيّاً؟ أمَا عَلِمَ المُثقّف العربيّ بَعْدُ أنَّ هذه اللٌّغَات العَامِّيَّة إنْ هي إلاّ لغاتٌ تفرّق ولا تجمع، وتحطّ ولا ترفع، وتضرّ ولا تنفع؟ لو نطقت الفصحى لتبرّأت منّا وممّا نسجِّله باسمها وما ننسبه إليها من أدبٍ مشوّهٍ بِعَاميَّة عَمياء فائدته لَعَمْرِي قليلة ولا يمتُّ للعَرَبِيَّة بِصِلة! لا أحد مكره على الكتابة باللٌّغَة العَرَبِيَّة إن لم يكن لها مجيدا، أو كان بيانُها عنه بعيدا. فإنْ شِئنَا الكتابة بها، فلابدّ أن نتقيّد بقواعدها وأن نصون حرمتها..." بعدما عنون نقده الطويل لأحلام بـ "الأخْطَاءُ اللُّغَوِيَّةُ والألفاظُ العَامِّيَّةُ لاَ تَلِيقُ بِكِ".

كم هو جميل أن نعيش ثورة نقدية كبيرة بسبب عمل أدبي أو أكثر، وكم هو أجمل منه أن تصبح لنا نقاشات وسجالات فكرية عظمى تسمو بها أدبياتنا لمراتب عظمى، ولكم هو أجمل وأجمل أن تصبح روحنا تواقة لمن ينتقدنا ويبحث عن أخطائنا عوض الاطمئنان لمادحينا، فكل شيء قابل للنقد والتمحيص حتى تثبت صحته.. ويصبح لائقاً بنا.

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق