يسألونك عن الكتابة
25 اغسطس (آب) 2014 10:36 | 0 تعليق

د.أحمد برقاوي*
د. أحمد برقاوي*

يسألونك عن الكتابة، قل إن هي إلا نداء داخلي لا تستطيع معه رفضاً. إدمان و لا إدمان الخمر أو التبغ. فيض إن حوصر في صدرك قتلك. هاجس دائم بالحاضر والمستقبل، بالأشياء الصغيرة والكبيرة.

الكتابة حضور للكاتب في الوجود. معناه الحقيقي، وحدة الكاتب الذي لا يتصوَّر نفسه على نحو آخر.

مِنَ الفيلسوف الذي يمضي عمره باحثاً عن حقيقة يفترسها، إلى الشاعر الذي يجعل من لهب الأنا كلاماً، مروراً بالرسام الذي يعيد تشكيل الوجود باللون والنحات الذي يبعث الروح بالحجر والموسيقى الذي يعين الروح أنغاماً ... كلهم لا يرون وجودهم إلا كما هو وجودهم، فرحين بذواتهم، إحساسهم بالثراء لا يوازيه إحساس أي ثري.

لا تسألوا الكاتب لماذا يكتب، هذا أشبه بسؤال العاشق لماذا يعشق.

الكتابة ولادة بكل آلام المخاض. بمعزل عن شكل المولود قد يأتي مشوَّهاً منغولياً أو يأتي كاملاً بهياً، ذكراً أنثى أشقر أسمر.... الكتابة ولادة.

بين الكاتب وشبه الكاتب فرق في أنَّ الأول يعرف آلام الولادة، فيما الآخر يخطف الأطفال دون أن يرفَّ له جفن.

من أغرب الغرائب أن يتشدَّق أحدهم بالقول: ما جدوى الكتابة؟ لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ ولهذا فأنا لا أريد أن أكتب.

هذا قول هراء. من لا يكتب لا يستطيع الكتابة قولاً واحداً. ما من شخص عقيم إلا لأنه لا نداء داخليا يدعوه للكتابة. والقول إنه مثقف ويعرف الكثير أكاديمي كبير ولو كتب بزّ أقرانه قول لا معنى له بالإطلاق.

وسائل يسأل: وماذا عن أولئك الذين كتبوا وتوقفوا عن الكتابة، ويقولون إنهم توقفوا عن الكتابة لأنهم وجدوا أن لا قارئ ولا ثمرة من الكتابة.

وهذا أيضاً قول باطل بالمرة. وتفسير توقفه عن الكتابة لا يعدو أن يكون الرجل قد جف. وهذه حالة قد يعيشها بعض من الكتّاب على اختلاف اهتماماتهم.

وقد يكون القليل الذي كتبوه أهم من كثير كتبه غيرهم.

فليس معيار قيمة المكتوب بعدد الكتب والمقالات التي يمتلكها هذا الكاتب أو ذاك أو بعدد اللوحات لهذا الفنان أو ذاك، بل في حضور الإبداع الذاتي في الأثر.

شخص لا يكتب شخص لا يعرف أن يكتب، ليس لديه موهبة الكتابة، لم يتعلم الكتابة.

كفوا عن السؤال السخيف: حتى الآن لا نعرف لماذا كان عازفاً عن الكتابة، مع أنه لو كتب لأبدع؟

سؤال لا معنى له: أنا أجيب.. هو لا يعرف أن يكتب.

إنه غير موهوب. إنه قد أوحى بكلامه الشفاهي للأغبياء إنه قادر على الكتابة.

*مفكر فلسطيني سوري متخصص في الفلسفة

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق