هل يغفر الله للملحد؟!
27 اغسطس (آب) 2014 09:00 | 0 تعليق

الباحث المصري خالد محمد عبده
خالد محمد عبده *

لا أعرفُ بأيّ طريقٍ جئتَ اليومَ، فقد جئتَ ثملاً منذ أوّل الصّباح

وإن تشربْ دم قلبي فلن أتخلى عنك؛ لأنني حصلت عليك بدمِ قلبي

(مولانا الرومي)

(1)

قد يبدو من العبث أن يسأل أحدهم هذا السؤال اليوم، وإن كان السائل من (قلب الإسلام) لا من خارج أرضه أو ثقافته، فالدهشة أكبر، ونحن نشهد اليوم قتلاً وتشريدًا وسفكًا للدماء ليل نهار، حتى ألفت عيوننا مشاهد الدّم ولم تعد أجسادنا ترتعد ونحن نرى رأس آدمي مفصولة في يد قاتله (التقيّ)! الذي لم يفعل شيئًا إلا أنه خالف شرائع التقوى المكذوبة، والرحمة المدعاة والسلام الكاذب!

إن اعتبار مثل هذا السؤال من العبث أو أن الوقت ليس وقته، يُعدّ مساهمة منّا دون أن ندرك في نشر خطاب العنف والقتل والتشريد، فالذي آمن بتراث مرّت عليه مئات السنين اختار وجهًا من وجوه هذا التراث وآمن به، وهو الوجه الأكثر قسوة، وبمساعدة من يستفيدون من مثل هذا الخطاب استطاع أن ينتشر في الأرض ليمحو وجه الجمال وينشر القبح كما يشاء، فالكلّ يساعده، الرافض بتلخيصه حضارة الإسلام في هذا الوجه القبيح، والمستفيد لدعمه وجوده وتنفيذ مراده.

سألتني صديقتي قبل أيام حينما كتبتُ عن مولانا جلال الدين الرومي أنه كان كونيًا أو عالميًا، ومن صور ذلك: أنه كان يرى أن أي إنسان في أية أمّة أو ملّة أو مذهب، يحب الله من كل قلبه، وينفّذ إرادته، فهو مقبول عنده.

فقالت: ماذا عمن سقط حب الله من قلبه؟ من له؟

أجبتها ساعتها بشكل عفوي: له الله كما سقط يعود .. على أنه إن لم يتوجه في الصورة إليه توجّه إلى أحد من خلقه، وكلهم منه.

لكنني تحدثت بصوت عالٍ بعدها حتى لا أكذب على نفسي قائلا: أحيانًا أترجم بعض ما يتعلق بـ(القضاء والقدر) و(الأرزاق) في حياتي الشخصية بأن هناك حتمًا (مشكلة مع الله) فلماذا يفعل معي كذا ولا يفعل كذا؟ ولماذا تُعرقل أموري على هذا النحو إن كنتُ آخذ بالأسباب، ولا أتقاعس في تقديم (الحسن) لي وربما للآخرين..

وتضيق دنياي بحيث لا أفهم كلمة مما تُقال لي من أسباب فعل الله هذا أو ذاك..

حين أصل إلى هذا المستوى من (المزاج السيء أو الحال الضيّق) أجد بعض الراحة إذا ذهبت إلى مقام أحد الأولياء، رغم أني لا أنتمي إلى طريقة صوفية، ولست مؤمنًا بالمذهبية.. وربما انصرفت عن كل هذا بالقراءة لمن أحب كـ(مولانا) الرومي، وأغيب في كلماته (عنّي) وأنسى بعض الشيء ما ألم بي من ضيق.. لكني رغم ترديدي لفظًا في حديثي مع ربي (لدي مشكلة معك) أو (لماذا تقيمني في هذا المقام؟) بمجرد أن أركن إلى جوار أحد الأولياء وتحديدًا (السيدة زينب) أجد الصمت لغة الحديث بيني وبين الله، وتعبّر عيني عما أريد قوله وأخرج مرتاحًا ربما لبعض الأوقات ..

لا تُحل المشكلة بالطبع.. لكنني أخلق لنفسي جوًّا مختلفًا عما أضع نفسي فيه وقت الضّيق، حتى لا أصير منزعجًا طيلة وقتي، وربما الحل بجواري غير أني لا أفقه قراءة الحلول.. ما أردت قوله ساعتها أن الإيمان الظاهري يحمل في طيّاته ألف ألف كفر، فالإيمان كما أنه إقرار بوجود الله تسليم الأمر إليه في كلّ ما ألمّ بي، وإن ظهرت في صورة المؤمن إن التزمت بالصلاة والصيام، ففي سجودي من الممكن أن أنطق بالكفر.

(2)

يُحكى أن أحد الصوفية جاب الأرض وساح طولاً وعرضًا واختلط بكثيرٍ من المشايخ مثل الذين نراهم اليوم، ولم يجد على وجه الأرض من يمكن أن يكون شيخًا له، ولا وجد في نفسه أن يكون مريدًا لأحد هؤلاء، بدأ الصوفي بتخليد حكاية أسفاره وتجاربه التي خاضها بجسده ولحمه ودمه وفكره، ظنّ أن كتبه قد تريحه من عناء هذا التفكير الطويل، والسفر الكثير، حتى قابل أحد الباعة الجوّالين صباحًا وهو يتدبر في حاله وماذا يمكن أن يصل إليه.

كانت الباعة في مصر منذ فترة خلت حينما يفتحون دكاكينهم يفتحون المذياع على آيات الذّكر الحكيم، على خلاف هذا اللون كان البائع الذي قابله الصوفي، كان هو بنفسه قرانًا يمشي على الأرض، يتخلّق بأخلاق الله في الرحمة والشفقة والتوسعة على عباده، وكان من عادات هذا البائع أن يبدأ يومه بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) وبعد البسملة يقول متوجّهًا إلى خالقه: (نويتُ نفع عباد الله أجمعين) لم يكن ليستثني أحدًا من خلق الله، فالكلّ عياله دون تفريق.

انجذب الصوفي إلى هذا الرجل البسيط، الذي لا تبدو عليه علامات أهل الصورة أو علماء عصره، فلم يكن بجواره أتباعٌ يقبّلون يديه، ولم يكن يجلس متصدّرًا للحديث في كل نائبة أو فسفوسة. سأل الصوفيُّ البائع عن شيء لكنه لم ينتبه لكلامه، وطلب منه أن يجلس أولاً ويستريح ويأكل من طعام الطيبين شيئًا ولو قليل، فعل الصوفّي ما طُلب منه فقد وجد الراحة في وجه والشيخ وتوسّم خيرًا من بعض كلماته.

وجال بخاطر الشيخ شيئًا مما كان يفكّر فيه ليلاً، فنطق على فوره قائلاً دون ترتيب أو تنميق: ماذا لو بذل الشخص كل ما في وسعه لكي يجد الله ولم يجده في قلبه أو في حياته، هل يُعاقب أو يُثاب؟ هل هو مجتهدٌ وأخطأ وله أجر؟ أم هو آثم من جملة الآثمين؟!

انتبه بعد نطقه أن البائع قد سمع ما قال فاستغفر واعتذر، لكن البائع بدأ في النطق حين صمت الصوفي عن الكلام، وقال: بالطبع لن يُعاقب، فقد بحث ولم يجد، ولم يصل إلى قلبه ما استقر في قلوب الآخرين، وبه آمنوا وعليه استمروا.

الصّوفي: لكن مثل هذا الكلام لا يخرج من فم مسلم من (أهل السّنة والجماعة)!

البائع: نعم، هذا صحيح، فلستُ أعرف من يشملهم هذا الوصف، ولم يبلغني عن الله ما بلغهم.

الصّوفي: الله يقول: إن الله لا يغفر أن يُشرك به. فما بالك بمن لم يتعرف بوجوده.

البائع: ربنا قال ذلك بالفعل، لكنني أقرأها على هذه الصورة إن كان هذا المشرك متقاعسًا عن البحث عن الله، ولم يبذل وسعًا في طلب الحق، واستراح إلى الكسل، وجحد متكبرًا دون أن ينظر، وما حدّثتني أنت عنه أوّلاً من بحث ونظر ووصل إلى قناعة عبر ما أتيح له من دلائل.

الصوفي: لكن الله قال ذلك بشكل عام، ولم يقيّد حديثه كما فعلت أنت!

البائع: ومن هنا أنا نطقت وقرأت وأخبرتك عن قراءتي ولم أقل لك أن ما أقوله يمثّل جميع الحق!

الصّوفي: هل قول الله لنبيه مُحمّد (وقل ربِّ اغفر وارحم) شفاعة من الرسول في حقّ كل من أخطأ؟

البائع: نعم وهي شفاعة في الدنيا قبل الآخرة، فكأن النبي الأكرم منه السلام قال: ربّ تُب عليهم ليتوبوا عن خطئهم فيسعدوا بذلك ويموتوا على الجمال والخير لهم. ومنه قال أحد من أعرفه وأنا في مثل عمرك النبي شافع مشفّع في المصيب والمخطئ فيمن كان على دينه أو فارق نهجه!

الصّوفي: لكنني أعرف أن شفاعة النبي خاصة في من آمن به من قومه، لا عامة في كافة البشر .

البائع: بل هي عامة في حقّ كل من بحث ونظر ووفّى النظر حقّه من جميع البشر.

الصّوفي: ينبغي إذن على كل وليٍّ وشيخ وعالم أن يدعو بالمغفرة والرحمة لجميع الخلائق.

البائع: نعم ينبغي أن يدعو لكل البشر، ولكلٍّ عذره فيما منعه أن يقف فيما أوقف عليه، ولا تغفل يا ولدي عن سعة رحمة ربك، فهو القائل: ورحمتي وسعت كل شيء. ومما روي في الكتب: يخرج الناس من النار حتى يبقى فيها رجلٌ لم يعمل بخير قط! فيخرجه أرحم الراحمين. والرحمة من الله على من وفّى النظر حقّه فضل ومِنّة.

تردد الصوفي على دكّان البائع مرّات عديدة، واستضافه الرجل في بيته، ثم طلب الصّوفي من البائع أن يصير تلميذًا له! وبدأ معه صفحة جديدة في حياته، طوى فيها كل ما سبق، وبعد وفاة الشيخ بدأ في سرد هذه الحكايات وسجّلها في عقد من الجواهر والدرر، مصنّفًا إياها فحكاية ياقوت، وحكاية ماس، وحكاية زبرجد، وحكاية زمرد، وحكاية مرجان، وكانت هذه الحكاية من الكبريت الأحمر.

* باحث مصري

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق