ما أومن به!
03 يوليو (تموز) 2014 21:00 | 0 تعليق
• إشارة:
أسلّم في مبدأ الأمر بأن الإيمان فعل تصديق. وأنه، بما هو كذلك، حالة معرفية ووجدانية تذهب في ضروب متباينة تباين أنماط القبول والتصديق عند "المؤمنين". فريق يطلب شهادة العقل، وفريق يأنس بحساسية وجدانية خالصة، وفريق يؤمن اقتداءً بمثال إنساني يراه فذاً، وفريق يؤمن لأنه يشعر بأن قوة غائبة حاضرة تصونه وتحميه وتخلصه من المخاطر والشرور، وفريق يؤمن لمحبته بمؤمن، لأنه في علاقة حب مع إنسان آخر. ومحصّل الأمر أن طرق الإيمان تتعدد، حتى ليمكن القول إنها بعدد الذين يؤمنون.
• إشارة:
وليس ينحصر الإيمان في معنى واحد. قد يكون هو الله. أو الإنسان، وقد يكون ديناً أو مذهباً أو قيمة أو مثالاً أو فكرة، بل قد يكون شخصاً. لكن الذي يغلب على المفهوم أنه مقترن بالدين، وأن الدين على وجه التحديد هو الذي يستبد بالمصطلح. في جميع الأحوال تستوي الأدلة عند المؤمنين. وقوة القضية الإيمانية ومشروعيتها عند صاحبها تنبع من قدرتها على إقناع صاحبها، لا من سلطة الآخرين، ولا من مدى الإجماع الذي يمكن أن يقترن بها. ويستقيم أن نذكر هنا ابن رشد وأشكال التصديق عنده: أعني البرهاني والجدلي والخطابي.
• إشارة:
ولأن ضروب الإيمان وأشكاله تختلف، فإن مضامينه ونزعاته تختلف أيضاً وتتباين. لذا تتفاوت أحوال المؤمنين في خصالهم الذاتية وفي علائقهم بغيرهم من المؤمنين ومن غير المؤمنين. لذا، أيضاً، لا ينفك الإيمان وتشخّصه في "التدين" عن ذاتية المؤمن، أي أنه ذو علاقة بـ"البرمجة الوجدانية" للمؤمن، أو بالمخطط الأولي (سْكيما) الخاص بهذه الذاتية. وذلك هو ما يفسر في الحالة الثقافية تفاوت أحوال المؤمنين، وانتشارهم على محور الشدة والرحمة، أو التزمت والاعتدال والتهاون.
• إشارة:
والإيمان موقف في قبالة: الله، والإنسان، والوجود، والعالم. أي أنه يمتد، معرفياً وعمودياً، من الأفق الأرضي إلى أفق الغيب- السماء، أو المثل - مثلما يمتد أفقياً ليتحقق في التواصل والاتصال مع "عباد الرحمن"، أو مع "أبناء الأرض" وفقاً للبرمجة الوجدانية للمخطط الأول الذي لا يطال الثقافة في أحيان كثيرة. وذلك وفقاً للبرمجة الوجدانية أو للمخطط الأولي (سكيما) الذي يندّ عن الثقافة في أحيان كثيرة.
• إشارة:
ومع أنني لست من المرجئة - ولا واحداً من "الملوك" الذي دينهم الإرجاء، وفق عبارة مأثورة عن الخليفة العباسي المأمون- إلا أنني أرى أنه، مع التصديق، لا يخرج المؤمن من إيمانه حين لا تقترن أفعاله اقتراناً مطلقاً بخالص الإيمان. ولست أرى رأي الخوارج في مرتكبي المعاصي والكبائر. لماذا؟
• إشارة:
لأن الإنسان كان أكثر شيء جدلاً! ولأن أكثر ما يتلبس الإنسان ضعفه، وقلة حيلته، وهشاشة كينونته الوجودية، وانكساره.. وهو في حقيقة الأمر حائر، بائر، برغم عظمته وجبروته.. أي في تناقضاته الوجودية الصميمية..
• إشارة:
ولأن المؤمن كغير المؤمن، متورط ومنخرط في الوجود الواقعي المشخّص، التاريخي، الاجتماعي، الثقافي.. فإنه خاضع لإغراءات الخروج على غائية الإيمان المعرفية والأخلاقية والوجدانية، والوقوع في فخاخ الفعل وعلى وجه التحديد الفعل السياسي. ههنا تتلبسه نزعات المنفعة والسلطة والقوة والصراع والاستعلاء والتغلب والجبروت والإقصاء والكراهية، وأحوال الطبيعة البهيمية. وحينذاك يصاب الإيمان في الصميم ويتحول إلى مبدأ للنزاع والصراع والافتراق. وتصاب على وجه الخصوص ذاتيته الأخلاقية، أي ماهيته الذاتية.
• إشارة:
وإذ تستبد هذه العلل بالدولة، تعود هذه إلى "الحالة الطبيعية"، أو إلى "ما هو في الطبع"، وفق تعبير الفارابي تمثيلاً للسوفسطائي ترازيماحوس، أي إلى الحالة التي ينسحب فيها العدل ويسود الظلم والجور، وتصاب الثقافة في الصميم.
• إشارة:
يطلب الإيمان في تشخصه في الوجود الإنساني إدراك حالة "النفس المطمئنة"، و"السلم الاجتماعي" و"هناءة أو طيب العيش" وخير الإنسان وصلاحه، بل، مثلما يقول المعتزلة، ماهو الأصلح للعباد.
• إشارة:
وليس يتحقق ذلك بتحول الإيمان إلى حركة سياسية، أو حزب سياسي أو جماعة سياسية، حيث تسود أحوال اللا- أخلاق (بمعنى ماهو محايد أخلاقياً)، أو اللا أخلاقي (بمعنى ماهو مضاد للأخلاق الفاضلة)، والذرائعية والميكافيلية، والنفعية والأنانية، وحيث تُطلب السلطة فحسب، وإنما يتحقق بالدولة السياسية الدنيائية العادلة. لأن العدالة - وهي سيدة القيم - هي الضامن الوحيد لسعادة "عباد الرحمن" و"أبناء الأرض".
• إشارة:
وأومن بأن فقهاء المقاصد في الإسلام قد كانوا أفذاذاً في نظريتهم، إذ جعلوا العدل المقترن بالمصلحة المثالَ الأسمى الذي يضمن غائيات الإيمان ومقاصد الشريعة في تحقيق صلاح الإنسان وخيره وسعادته، وفي إدراك حالة "النفس المطمئنة" و"السلم الاجتماعي" و"هناءة العيش". وتقديري وإيماني بما يسوقه ابن قيم الجوزيّة في هذا الشأن لا حدود له ولا شطآن:
فالأمل والمبدأ هو تحصيل المصلحة ودرء المفسدة، ولا يكون ذلك إلا بالعقل وبالعدل: و"حيثما ظهرت أمارات العدل - وفي الطبعات المتداولة: العقل - فثمّ شرع الله". وليس ينبغي أن نفصل العدل عن العقل، لأن مثل هذا الفصل سيفضي حقاً إلى الظلم والجور والفوضى والتغلب والهرج.
• إشارة:
وليس يخفى أن قيمة العدل رأس القيم وأسّها. وقد كان أفلاطون على حق حين جعلها جماع قيم النفس الإنسانية: العاقلة، والغضبيّة، والشهويّة. لكنها أيضاً صمام الأمان الذي يحصر الإيمان الديني في حدوده الروحية والوجدانية والأخلاقية، ويأذن بقيام مجتمع ذي ثقافة تُصان فيها حقوق جميع أبنائه على قدم المساواة والكرامة والإنسانية وحرية الضمير والفعل.
• إشارة:
والديني شكل من أشكال الخروج من "حال الطبيعة"- وهي غلبة وهرج وتعدٍ وظلم - إلى حال الثقافة. وبتعبير آخر هو دخول في الثقافة... يؤسسها ويقوّمها، أو يتأثر بعناصرها وقيمها "الوضعية" أو يناصبها العداء، أو تناصبه هي الخصومة والانفصال.
• إشارة:
والديني أخلاقي وغائيته بطبيعته. وتلك هي ميزته الأساسية. هو يتمثل "القيم" ويطلب إشاعتها في المجتمع، طوعاً في ثقافة، كرهاً في ثقافة أخرى. برحمة وحرية في مكان، وبقسر وشدة في مكان. فيكون في ذلك اتصال متواصل ورحمة، أو انفصال وانفصام وصراع وعذاب. ديانات ذات هويات قاتلة طاردة... وأخرى رحيمة ... جاذبة ... يخرج الدين من إهابه الأخلاقي ... ويلتحق باللبوس السياسي.
• إشارة:
زمننا هو زمن تهجم فيه الثقافة الكونية على الثقافات المحلية والتقليدية. تنشر "الثقافة الكونية" أعلامها وراياتها فيتلقاها الدين بأفعال "ارتكاسية" لكنها لا تبالي وتشتد في الفعل وفي التغيير، فيشتد الديني في أفعاله الارتكاسية، ويتقابل الفريقان ولا يلتقيان، وتكون الأصولية الراديكالية واحدة من ثمرات هذا التقابل.
• إشارة:
"ثقافة الحداثة" والعلمنة التي تغزو ثقافاتنا التقليدية تمثل، منذ عقود في فضاءاتنا العربية والإسلامية، محور التقابل والصراع والجذب والطرد. يتمثلها أهل الدين بما هي النقيض المطلق لثقافة "الدين"، ويتمثلها حزب الحداثة بما هي البديل "المدني" و"العقلاني" للخرافة والجمود والتخلف. ومع ذلك فإن المدقق في التجربة التاريخية الثقافية الإسلامية لا يلبث أن يكتشف أن النص الديني ينطوي على "الأصول البذرية" جميعاً التي تلهج بها "ثقافة الحداثة": الحرية، المساواة، الكرامة الإنسانية، العدل، الاستقلال الشخصي، العقل. لكن الحقيقة هي أن "ثقافة المُلك العضوض" وسياسات المُلك العضوض قد أقصت هذه القيم الأصول، ووطّنت بدلاً منها مضاداتها. بتعبير آخر جارت التجربة التاريخية على القواعد والأصول البذرية للمبادئ المؤسسة للحداثة العربية الإسلامية، بل أقول للحداثات العربية الإسلامية تلك التي نجمت بالبعثة النبوية، وتلك التي كانت ثمرة الفعل الثقافي الخارجي - اليوناني على وجه الخصوص- وتجسدت في ولادة العقل الفلسفي والعلمي، وتلك التي تجاوزت النظرة الذريّة إلى النص الديني وأدركت المنظور الشامل الهولستي له، وتلك التي أعلنت عن "ثورة الذات" وتجاوزها للمجتمع في التجربة الصوفية.
• إشارة:
حتى يأتلف الديني والسياسي ينبغي فك الارتباط بينهما، وحينذاك يَحسن بالديني أن يكثّف تجربته الوجدانية الأخلاقية البانية للمجتمع الأخلاقي في زمن حكم العولمة الطارد للقيم البينية والمعزز لفوضى القيم. ويجدر بالشخصي الأخلاقي أن ينأى بنفسه ما أمكن ذلك من عقابيل السياسة وخدعها وأحابيلها ولا أخلاقياتها. وحين يقال إن في ذلك ازدراءً لحقوق الشريعة ومبادئها وأحكامها، يقال له إن الدولة العادلة ضامنة لهذه الحقوق في حدود التمثل والاجتهاد والتأويل الموافقة للظروف والأزمنة والأحوال. ومن وجه مقابل يحسن بالسياسي أن يدرك أنه لا يستطيع، في ثقافة يحتل فيها الديني مكانة مرموقة في حياة المواطنين، أن يدير ظهره للدين متمثلاً "علمانية الفصل" الجذرية المناضلة، وأن عليه أن يحفظ للدين حقوقه، وأن يعزز شروط "الدولة العادلة" وقواعدها المطالبة برعاية حقوق مواطنيها، وتأسيس دعائمها على العدل والمصلحة والكرامة الإنسانية والخير العام، وجملة قيم الحداثة التي، كما قلت، تجد أصولها البذرية الصريحة في (النص الديني) المحكم.
• وليست ثقافة الملك العضوض وحدها هي التي جارت على الدين وأقصت أصوله البذرية، وإنما فعلت ذلك أيضاً "الثقافة الأبوية" التقليدية، والشروط التاريخية والذاتية التي أحاطت بفهم التحديد وبتحديد عقائد الإسلام "الكلامية" وأحكامه الفقهية التي طالتها أحوال الفقهاء ونزعاتهم ورغباتهم. وفي عصرنا الراهن تلقي هذه الثقافة بظلالها الداكنة على كثير من القضايا. ويكفي أن أمثّل لهذا بما تبينته في كتابي (خارج السرب – بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية) من أن ما أسميته "النسوية الرافضة" عند تسليمة نسرين وأيان حرسي علي ونجلاء كيليك وارشاد منجي، وغيرهن قد استندت في نقدها الراديكالي لدين الإسلام في المسائل المتعلقة بالمرأة، وفي الأغلبي من نقودهن، إلى معطيات "الثقافة" المضادة لحقوق المرأة وللنصوص الدينية المحكمة وتأويلاتها المشروعة، أعني معطيات الثقافة البطريكية.
• إشارة أخيرة:
في حدود ما أمتلكه من اعتقاد، أوقن بأن المعنى الرسالي الفذ لدين الإسلام يكمن معرفياً، في عقائد هذا الدين المركزية، وعملياً: في رسالته الأخلاقية. وهذا يعني - وأنا أكرر - أنني لا أتمثل ماهيته في رسالة "سياسية" تطلب السلطة والتغلب والقهر وتقتات من التقابل والتضاد في قبالة المختلفين، وإنما في الارتقاء بالنوع البشري وفي تحريره من غلائل الغريزة والعنف البهيمي القارّ في حالة "الطبع" وإغراءات القوة. وإذا ما زعم لي زعيم أن ذلك ليس هو ما تجسد فيه الفعل الرسالي النبوي، قلت: لا أشك في أن الفعل النبوي كان فعلاً رسالياً سياسياً، لكنه كان فعلا سياسياً مؤسساً "فذاً" بمعنى أنه "لا مثيل ولا قرين له"، وأن له غائية قصوى هي خلق المجال الحيوي الجغرافي الإنساني للدين الجديد المنوطة به رسالة محددة هي "تتميم مكارم الأخلاق" والارتقاء بالطبيعة الإنسانية. ثم يكون بعد ذلك على "خير أمة أخرجت للناس" أن تنشر هذا الخير بين كل الناس بالحكمة والموعظة الحسنة. ولمجتمعات الإسلام بعد ذلك، في التاريخ، أن تختار التشكيل السياسي الذي يحقق لها ولأبنائها الخير العام والمصلحة والعدل، لأن الناس، بالعقل والعلم، أعلم بأمور دنياهم، "وحيثما ظهرت أمارات العدل فثم شرع الله".
*مفكر أردني
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

