عبد الجواد ياسين: التديّن بتحوّله إلى دين يكتسب السلطة المقدسة
17 اغسطس (آب) 2014 15:30 | 0 تعليق

المفكر المصري عبد الجواد ياسين – (أرشيفية)
ذوات

أكد المفكر والقاضي المصري المستشار عبد الجواد ياسين أن الدين كلي مطلق قادم من خارج الاجتماع. ولأنه لا يعمل في الفراغ بل من داخل الاجتماع، فإن حضوره يؤدي بالضرورة إلى حدوث التدين (ممارسات البشر للدين في الواقع). التدين - إذن - طبيعي من حيث هو ضروري.

وأضاف أن المشكل ليس في حدوث التديّن، بل في تحوله إلى دين، أي اكتسابه صلاحيات السلطة المقدسة (المؤبدة) للمطلق. وهو ما يعني تثبيت كتلة من الثقافة التاريخية، هي بطبيعتها غير قابلة للتثبيت داخل نطاق المطلق المقدس أي الثابت الملزم، الأمر الذي يفضي في لحظة ما إلى صدام ضروري مع حركة الاجتماع الخام بما أنها بطبيعتها متغيرة لا تقبل الثبات. إن ذلك يفسر لماذا يظل التدين سبباً لموجات مزمنة من التوتر في الفضاء الاجتماعي، رغم الحضور العميق للدين على مستوى الذات الإنسانية.

وشدد ياسين، في حوار أجراه معه الباحث التونسي محمد الخراط، ونشره موقع "مؤمنون بلا حدود"، على أن جميع منظومات التدين من صنع التاريخ الاجتماعي، خصوصاً تاريخ الحقبة الممتدة بين عصر التأسيس وعصر التدوين. المعطيات السياسية، بما هي اجتماع مكثف، تلخص التاريخ الاجتماعي. وبشكل مباشر وغير مباشر، لعبت هذه العوامل دوراً فاعلاً في تشكيل وتطوير بنيات التدين في السياقات التوحيدية الثلاثة؛ اليهودية والمسيحية والإسلام.

وفي الحالة الإسلامية - كنموذج - نستطيع رصد علامات التطور التي طرأت على منطوق البنية الدينية المعروفة عند إغلاق النص التأسيسي كنتيجة لتطورات الاجتماع السياسي؛ تبلور الدولة، حركة الفتوح العسكرية، وبوجه خاص تفجر الصراع السياسي. كان على النص التأسيسي بعد إغلاقه بفترة قصيرة، أن يواجه محيطاً اجتماعياً أوسع، بمؤثرات بيئية أكثر تنوعاً وأسرع إيقاعاً. بدا النص القرآني المتاح أضيق مساحة من حجم التطورات اللاهوتية التي أسفر عنها التمذهب، ومن حجم الحاجات التشريعية التي أسفر عنها التوسع من جهة ثانية. كان ثمة حاجة إلى "نصوص" إضافية لتستوعب فائض الحركة المتوترة للاجتماع وهو في حالة التدين القصوى. وهي حالة متكررة في التراث الاجتماعي الديني تصاحب عادة المرحلة التالية على التأسيس.

في هذه الحالة الإسلامية - حيث تحول الصراع السياسي إلى مذهبية دينية - عبر التدين الاجتماعي عن ذاته باستحداث نصين جديدين، كل منهما أكبر حجماً من القرآن ومكافئ له في الحجية؛ الأول: مجموعة الروايات الآحادية التي ستعرف سنياً بالأحاديث، والثاني: مجموعة الروايات الآحادية التي أسندها الشيعة إلى أئمة أهل البيت، والتي جعلت زمن النص ممتداً لفترة طويلة تالية على وفاة الرسول. عبر هذين النصين انفتح الباب واسعاً أمام كتلة مباشرة من التاريخ الاجتماعي (الثقافة الإقليمية) لتدخل إلى صميم الدين الملزم. ولذلك فعلى مستوى الديانات التوحيدية الثلاث يمكن الحديث دائماً عن حقبتين تأسيسيتين لا عن حقبة تأسيس واحدة.

وبخصوص الاختلافات بين نظرة أهل السنة للقرآن ونظرة أهل الشيعة له، لاسيما وأنه بعد ترشيح مصحف عثمان لم يعد هناك جدل حول مكونات المصحف وإنما حول تأويلاته، قال المستشار عبدالجواد ياسين إن التنظير الشيعي لم يتوقف طويلاً أمام المشكل الذي أثارته عملية جمع القرآن في المصحف، وهو مشكل تم إغلاقه تقريباً قبل تبلور التشيع كمذهب مستقل. وبوجه عام ينتمي العقلان السني والشيعي إلى نمط التدين المؤسسي، وكلاهما يتبنى حيال النص ذات الرؤية المفهومية كوثيقة شمولية منغلقة على أحكام نهائية دون تفريق بين مطلق ثابت واجتماعي قابل للتطور.

ومع ذلك، يضيف ياسين، سنلمح اختلافاً نسبياً بين المذهبين في منهج التعاطي مع النص القرآني، يتمثل في الاستخدام المفرط الواسع للتأويل طلباً لإسناد نصي لمقولات الإمامة التي تمثل عصب التشيع والتي لم يكن ظاهر النص القرآني يقدم تغطية صريحة لها (بحسب التأويل الشيعي ربع القرآن على الأقل نزل في علي).

المذهبية في الإسلام

وبصدد قضية الاختلاف المذهبي السني الشيعي اليوم، قال، إن المذهبية في الإسلام نشأت كإفراز مباشر للصراع السياسي الذي شهده الاجتماع الإسلامي المبكر، فقد انكشف هذا الصراع عن فرق رئيسية ثلاث هي بعينها ما سيصير المذاهب الدينية الرئيسية الثلاثة: السنة ممثلة الدولة المتغلبة، والشيعة ممثلة المعارضة العلوية، والإباضية وريثة معارضة الخوارج. لقد تم نحت مفاهيم لاهوتية جديدة كي تعبر عما هو أصلا توجهات سياسية ذات بعد اجتماعي، وتم إلحاقها بمنطوق الإيمان الديني حسب كل فرقة، أي تم إلحاق قطعة من التاريخ الاجتماعي بالدين. هذا فعل التدين بالدين.

وأكد ياسين أنه لا أمل لإعادة طرح قضية الاختلاف المذهبي إلا من خلال إعادة النظر في نمط التدين من أصله. أعني فك الاشتباك بين الإلهي المطلق والاجتماعي التاريخي. أي بين الدين والتدين.

تطبيق الشريعة اليوم

وفي رده على سؤال حول تطبيق الشريعة اليوم، قال ياسين إن الشريعة قانون، والقانون متغير بطبيعة الاجتماع، والمتغير ليس من جوهر الدين المطلق، أي ليس من الدين في ذاته بل من إنتاج التدين، أعني نمط التدين الذي ساد تاريخياً في الوعي البشري بسبب الاقتداء بالتجربة العبرية. يفكر العقل اللاهوتي عموماً من داخل هذا النمط، ولذلك فهو يعتبر الأحكام التفصيلية الفرعية التي ألحقها التدين بالدين جزءاً من المطلق الإلهي الثابت الذي لا يجوز تغييره. المشكل هنا أن هذا الجزء يتغير بالفعل بقانون الواقع الاجتماعي، وهو بدوره قانون طبيعي أي إلهي، يقضي بالتحول المتكرر للتشريع ليعكس التحول في حاجات وعلاقات البشر الذي ينجم عن تغير الظروف الطبيعية (الجغرافية) والاقتصادية والسياسية والعقلية، مما يفسر تعددية النظم القانونية كواقعة مادية متكررة عبر الزمن. إذن السؤال ليس: هل يجوز تغيير التشريع؟ بل هو: هل تغيرت الظروف في الواقع إلى الحد الذي يستدعي التغيير؟ نحن بصدد إمكان مادي لا بصدد جواز تكليفي نظري.

ولدى سؤاله بأي معنى يمثل الجهاد جزءاً من الاعتقاد؟قال عبد الجواد ياسين: في الفقه الجهاد قتال على الدين، وهو معنى يتناقض مع الطبيعة الاختيارية للإيمان ومضمونه الأخلاقي. ليس للقتال أن يتعلق بالدين. وفيما عدا الحق الغريزي في الدفاع عن النفس، يتعلق القتال حين يقع بظواهر وأسباب في الاجتماع البشري مقطوعة الصلة بالله. وفيما ينسبها الناس إلى الدين ترجع أصولها إلى غرائز البشر البدائية.

الجهاد مفهوم فقهي أي اجتماعي، وهو نموذج متكرر للعقل الديني وهو يلحق التاريخ الاجتماعي لحقبة التأسيس بالمبادئ المطلقة للدين. نقرأ في سفر التثنية (20/10/13) "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح، فإن أجابتك وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف".

في الإسلام عكس الفقه اجتماعيات الغزو القبلية في الجزيرة العربية بمفرداتها التفصيلية، وحولها إلى أحكام دينية، بسبب ورودها في النص، دون أن يفرق داخل النص بين المطلق الثابت والاجتماعي المتغير. لقد سجل النص الوقائع بما فيها الحوادث القتالية، ولكنه لم يقصد إلى تحويل الوقائع إلي قيم مؤبدة، كما فعل العقل الديني طوال تاريخه، مما أدى به في كثير من الأحوال إلى نتائج معاكسة لجوهر الدين وأهدافه الأخلاقية المطلقة. لقد توقف الفقه أمام هذه اللحظة المحلية العابرة وهي لحظة حرب، ليستخلص منها حكماً "نصياً"، يربط صراحة بين الكفر (عدم الانتماء للإسلام) وبين حل الدم، وهو حكم في غاية الخطورة من حيث مخالفته لجوهر الأخلاق، ولفداحة الآثار التي ترتبت عليه، وأعني بذلك التوجه العنيف الذي اتخذه مسار التدين الإسلامي وتاريخه، سواء على المستوى الخارجي تحت عنوان الفتوح، أو في الاقتتال الداخلي بين الفرق، وانعكس على مستوى الذات الإسلامية المعاصرة، التي صارت عرضة للتناقض بين مفاهيمها "الملزمة" فقهياً وبين ثقافتها الحداثية التي كشفت عن التهافت الأخلاقي والمنطقي في هذه المفاهيم، وعدم قابليتها للاستمرار، كما كشفت عن جذورها التاريخية ذات الأصل الاجتماعي الصريح.

الفقه مدونة تشريعية تاريخية

وأوضح ياسين أن الفقه مدونة تشريعية تاريخية تتمتع بسلطة معنوية داخل العقل الديني بسبب تداخلها مع سلطة النص. في الوقت الحاضر صار العقل الديني أسهل تقبلاً لفكرة الفصل بين سلطة الفقه كاجتهاد بشري تاريخي وسلطة النص كوحي إلهي ملزم. ولكنه ليس جاهزاً بعد للتعاطي مع فكرة التفريق داخل النص ذاته بين الإلهي المطلق كثابت لا يتغير( الله والأخلاق الكلية) وبين الاجتماعي التاريخي كمتغير يجوز تجاوزه.

وبخصوص الرهانات المطروحة على الإسلام في زمن الحداثة والعولمة، قال المستشار المصري إن التحدي العام يكمن في سؤال التطور، وهو تحد موجّه بالأساس إلى الشق الاجتماعي التاريخي المخبوء في جوف الدين. المسيحية الغربية سبقت الإسلام في مواجهة هذا التحدي بسبب الظروف الجيوتاريخية التي أفرزت تطور الهياكل الكلية (الاقتصادية - الاجتماعية - العقلية) في أوروبا بعد العصور الوسطى. ونتيجة لهذه المواجهة تخففت المسيحية الغربية من جزء كبير من حمولتها الدينية ينتمي إجمالاً للشق الاجتماعي، فتخلت الكنيسة عن دورها السياسي والاقتصادي والتشريعي. ولكن الشق المطلق من الدين (الله والأخلاق) ظل صامداً بفعل رسوخه في عمق الذات الفردية.

في جميع الأحوال يمكن للإسلام أن يضطلع بدوره فيما تسميه عصر العقل التكنولوجي عبر استعادة المعنى المطلق للدين كإيمان دافئ مدعوم بالأخلاق، مخلياً الطريق أمام العقل كي يطور الواقع بالعلم، ومتخففاً من حمولاته الثقيلة في السياسة والاجتماع.

يذكر أن عبد الجواد ياسين قاض سابق، متخرج من كلية الحقوق - جامعة القاهرة عام 1976، وقد شغل مناصب مختلفة، تدرج خلالها من النيابة العامة إلى القضاء. من مؤلفاته "السلطة في الإسلام"، و"العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ"، و"الدين والتديّن: التشريع والنص والاجتماع"، وسواها.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق