الجهل المقدس: التديّن بدون ثقافة في الديانات الثلاث
11 اغسطس (آب) 2014 00:30 | 0 تعليق
الباحث الفرنسي أوليفيه روا -(أرشيفية)
بصدور كتاب "الجهل المقدس.. زمن دين بلا ثقافة"، يؤكد الباحث الفرنسي أوليفيه روا، أنه باحث من طراز كبير ونوعي هناك في المجال التداولي الغربي (الفرنسي نموذجا)، ومع أن الرجل اشتهر عند المتلقي العربي من خلال لائحة من الأعمال الجادة والمرجعية في تناول الظاهرة الإسلامية الحركية، إلا أن عمله الجديد هذا، يرتقي به مرتبة في سلم البحث العلمي الرصين.
نحن في ضيافة كتاب "الجهل المقدس.. زمن دين بلا ثقافة" لأوليفيه روا، وترجمه صالح الأشمر، صدر عن دار الساقي، لندن، ط 1، 2012، وجاء في 341 صفحة من الحجم الكبير.
جاء كتاب أوليفيه روا موزعاً على توطئة، ومدخل تحت عنوان "الحداثة والعلمنة وعودة الديني"، وسبعة فصول موزعة بدورها على قسمين: "اندراج الديني في الثقافة" (تضمن الفصول التالية: عندما يلتقي الديني الثقافة؛ من الحضارة إلى التعددية الثقافية، دين، عِرق، أمة؛ الثقافة والدين: القطيعة)، و"العولمة والديني"، (السوق الحرة أم الهيمنة بواسطة السوق؟ سوق الديني، وأخيرا، توحيد نمط الديني. هذه نماذج من الأسئلة المؤطرة لهذا العمل القيم، كما نطلع عليها في مدخل الكتاب: لماذا يصبح عشرات الآلاف من المسلمين في آسيا الوسطى مسيحيين أو شهود يهوه؟ وكيف أمكن لكنيسة بروتستانتية إنجيلية أن تتجذر في المغرب أو الجزائر؟ ولِمَ تحقق الإنجيلية البروتستانتية اختراقاً مدهشاً في البرازيل ـ بلغ عدد أتباعها 25 مليوناً في عام 2007 ـ أو في إفريقيا الغربية؟ وكيف نُفسر كون الخمسينية أو العَنْصَرِيَّة هي الدين الأسرع نمواً في العالم؟ ولم تستهوي السلفية الجذرية شبانا أوروبيين، بيضاً أو سوداً؟ وكيف أضحت القاعدة التنظيم "الإسلامي" الذي يضم أكبر نسبة مئوية من المتحولين إلى الإسلام؟ وعكسيا، لماذا تجد الكنيسة الكاثوليكية كثيرا من العناء في الاحتفاظ برعاياها وتشهد هبوطا في عدد المُلبين لدعوة الرب في الغرب؟ ولِمَ باتَ المدافعون عن التقليد الأنغليكاني المحافظ هم اليوم نيجيريون وأوغنديون أو كينيون، في حين يؤيد كبير أساقفة الكنيسة الإنكليزية، رويان ويليامز، اعتماد الشريعة الإسلامية في القانون المدني للمسلمين البريطانيين ويجيز رسامة الكهنة المثليين؟ ولماذا تنكفئ الكنائس الأرثوذكسية على الهويات القومية، بخلاف البروتستانتية، وعلى غرار الهندوسية؟
نأتي لخلاصات هذا العمل القيم، والذي نحسبه أحد المراجع العلمية في موضوع التحولات الدينية، ونكتفي ببعض الإشارات الدالة من باب حسن خاتمة العمل؛ نقرأ لأوليفيه روى الإشارات التالية:
1 ـ يستعيد الديني خلسة الخطاب متعدد الثقافة مُتموضعا كأقلية ثقافية عن طريق المعيار الديني المفصول عن كل سياق: يمتزج الديني والثقافي مجدداً ولكن الديني هو الذي يُقدم المعيار الثقافي؛
2 ـ استحواذ مجموعة محلية على الدين مجدداً قد يأخذ شكل الأرثوذكسية المتطرفة من قبيل الأصولية، أي إنكار الاختلاف الثقافي نفسه؛
3 ـ أسست العولمة سوقاً عالمياً للديني، فيدور الكلام إذا على "مستهلكين" أي أناس لديهم طلب تتعين تلبيته بصدد الحاجات الروحية ويجدون أمامهم تشكيلة من المنتجات متنوعة وسهلة المنال، حيثما وجدت في العالم، أو يكاد: السوق لم يعد مُقيدا؛
4 ـ كان من أثر الانفصال بين المعالم الدينية والمعالم الثقافية أن أتاح بوجه خاص إمكان استهلاك منتج ديني من دون حاجة إلى معرفة الثقافة التي أنتجته؛
5 ـ نشأ في العالم الإسلامي تاريخياً فضاء ثقافي مستقل ذاتيا، لكنه كان بانتظام عرضة لسهام أصولية متلفة للآثار الفنية، ومعادية للثقافة، من الموحدين إلى طالبان مروراً بالوهابيين، أو حركات توفيقية ترتاب، بحق وفقا لوجهة نظرها، في فكرة الثقافة نفسها؛
6 ـ فقدان الهوية الثقافية هو فقدان البداهة الاجتماعية للدين، ومن الآن فصاعدا يعيش المؤمنون فيما بينهم كأقليات محاطين بثقافة دنيوية، ملحدة، إباحية، مادية، اختارت آلهة مُزيفة: المال، الجنس، أو الإنسان نفسه.
7 ـ التنازل عن قيم الثقافة يعني التنازل عن الإيمان والهوية الدينية، وبالعكس، ولكن الثقافة الدنيوية في العالم العربي هي في الوقت عينه فارغة وتزداد فراغاً، وتختفي تحت الضغط المزدوج للسلفية من جهة، وللتغريب من جهة ثانية.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

