نجم الغلابة أغمض عينيه وهو يهتف: يعيش أهل بلدي
11 يونيو (حزيران) 2014 11:56 | 0 تعليق |
فؤاد نجم بالمغرب - (ذوات)
الرباط - سعيدة شريف

حتى وهو يغمض عينيه الإغماضة الأبدية، ظل "الفاجومي" يردد: يعيش أهل بلدي.. يعيش الغلابه، فى طي النجوع، نهارهم سحابه، وليلهم دموع، سواعد هزيله، لكن فيها حيله، تبدّر، تخضّر جفاف الربوع"..

أطلقت على الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم العديد من الأوصاف والألقاب، من قبيل: شاعر البندقية من طرف الناقد علي الراعي، والشاعر البذيء، وآخر الصعاليك، وشاعر تكدير الأمن العام، من طرف الرئيس المصري الراحل أنور السادات، لكن صفة "الفاجومي"، تظل هي الصفة التي اشتهر بها، وأطلقها هو على نفسه، في حين تبقى صفة شاعر الفقراء والبسطاء و"الناس الغلابه"، هي الأقرب إلى نفسه.

"الفاجومي" كما يعرفه نجم نفسه هو"شخص نقده لاذع ينقد الشيء/ بهجوم ولا يهمه أي شيء/ أو بالمعنى المصري الدارج بتاعنا ممكن نقول/ إن الفاجومي هو الشخص الصريح اللي زي المثل ما قال/ يقول للأعور أعور في عينه"، وهكذا كان شاعر العامية العربي، الذيشكل رحيله في (3 ديسمبر (كانون الأول) 2013)، فاجعة كبرى للساحة الثقافية العربية بشكل عام، وبخاصة في الوقت الراهن، لأن مصر بحاجة إليه في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى، لأن صوته الشعري متميز، وصادق، وشفاف، جريء، لا يهادن، ولا يقبل بأنصاف الحلول، ولو جاءت على حساب حريته، فقد تعرض للاعتقال عدة مرات، وفي مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وقضى أكثر من 18 سنة في السجن.

يعد أحمد فؤاد نجم، كما يرى الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة، أحد أركان الخماسية التي أهدتها مصر للوجدان المصري والعربي

شكلت قصائد الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم وجدان ووعي الكثير من الكتاب والمثقفين العرب، الذين رددوا أشعاره مع صديقه الفنان الراحل الشيخ إمام، الذي شكل وإياه ثنائياً خطيراً، كانت جميع الدكتاتوريات والسلطات تهاب لسانهم، وصراحتهم الرهيبة، ورددوا أشعاره المغناة على لسان إمام في الجامعات والمظاهرات، وهي القصائد التي ما زالت تفعل فعلها إلى اليوم في الجماهير العربية.

وفي كل زيارة كان يقوم بها نجم لأحد البلدان العربية، كان يحيط به حشد كبير من الجماهير، مثلما كان هو الشأن، مع آخر زيارة له إلى المغرب عام 2009 بدعوة من وزارة الثقافة المغربية، حيث امتلأت قاعة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدارالبيضاء، وقاعة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط عن آخرها، ولم يستطع أي شاعر مغربي أن يصعد إلى المنصة لإراحته، بناء على طلبه هو، لأنه بكل بساطة لا يوجد شاعر مغربي يمكن أن ينازله في ملعبه الخاص.

يعد نجم، كما يرى الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة، أحد أركان الخماسية التي أهدتها مصر للوجدان المصري والعربي، ومن الأسماء الأساسية والفارقة إلى جانب بيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، وعبد الرحمن الأبنودي، ساهم إلى جانب صديقه الشيخ إمام في تشريح الوضع السياسي والاجتماعي المصري، فمنذ هزيمة 1967 المؤلمة، التي قصمت ظهر المجتمع العربي، أصبح أحمد فؤاد نجم شاعراً عربياً بامتياز، لأن قصائده سافرت في الوطن العربي، غير عابئة بالحدود، ولا بالحواجز، وهو السبب الذي جعل "مؤسسة الأمير كلاوس للثقافة والتنمية"، تمنحه جائزتها الرفيعة لعام 2013، تقديراً لمساهماته وأشعاره بالعامية التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب، وهي الجائزة التي لم يتسن له الفرح بها.

للشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم قصة عجيبة مع المغرب، فقد زاره مرتين: المرة الأولى في صيف عام 1986 بطريقة غير شرعية، وفي المرة الثانية بدعوة رسمية من وزيرة الثقافة السابقة الفنانة ثريا جبران عام 2009، ليحل ضيفا على المعرض الدولي للنشر والكتاب.

قي الزيارة الأولى، تسلل نجم إلى المغرب قادماً من ليبيا، بعد أن فرقت السبل بينه وبين الفنان والملحن الشيخ إمام، وذلك في صيف عام 1986، وقادته الصدفة، بعد أن قرأ خبراً في صحيفة "الاتحاد الاشتراكي" عن تنظيم الذكرى الأربعين لوفاة المسرحي حوري الحسين، كما أخبرنا الشاعر حسن نجمي، الذي كان يشرف على تقديم الأمسية، فأعلن عن حضوره في القاعة، بعد أن همس له الكاتب محمد بهجاجي بذلك، فتوطدت علاقة الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم بالشاعر حسن نجمي، الذي استضافه في بيته، هو والكاتب أحمد صبري، والفنان الساخر أحمد السنوسي "بزيز"، الذي تحمل الجزء الكبير من المصاريف، واصطحبه في جولة كبيرة من أجل تعريفه على المغرب العميق، وعلى مجموعة من الكتاب والمثقفين، والفنانين، وعلى رأسهم مجموعة "ناس الغيوان"،  والراحل العربي باطما، الذي جمعته به جلسات عديدة، هو ومجموعة من الفنانين والكتاب المغاربة.

نجم الظاهرة

شكلت حياة أحمد فؤاد نجم، خلال مسار طويل ودؤوب من العطاء الإبداعي والنضالي الجريء المتميز، ظاهرة نادرة امتزجت فيها قصائد الشاعر، على نحو عميق، بمعيش الشاعر، ومعاناته، وكفاحه المستميت ضد مظاهر الفقر والاستبداد السياسي.

تجلت ظاهرة نجم في أقوى صورها من خلال ارتباطه الفني الرائع بالفنان الشيخ إمام

وتمثلت الكتابة الشعرية لدى الراحل أحمد فؤاد نجم، مرجعيات إبداعية متنوعة من الموروث الشعري العربي، وخاصة من منجزات الشعرية العامية في مصر والشام. وأكسبه انتسابه إلى أفق الجماهير الكادحة قدرة عميقة على التقاط العمق المصري والعربي، ببؤسه وإحباطه، وإصراره على التحدي والاحتجاج ضد كل أشكال الفساد والتسلط.

بدأ الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم كتابة الشعر في خمسينيات القرن الماضي، وعرف في مصر في ستينيات القرن الماضي بقصائده السياسية النقدية المرتكزة على حس اجتماعي عميق تجاه الحرية والعدالة الاجتماعية.

أصدر نجم مجموعة من القصائد الرائعة التي تغنى بها الثوريون وكل أطياف الشعب المصري والعربي: "يا فلسطينية"، و"يعيش أهل بلدي"، و"هما مين واحنا مين"، و"كلب الست"، و"نيكسون"، و" بابلو نيرودا"، و"تذكرة مسجون"، و"شيد قصورك"، و"جيفارا مات"، وغيرها من القصائد، التي ما زالت تحفظها ذاكرة الشعوب العربية، وهي ذاتها القصائد التي قال الشاعر الفرنسي لويس أراغون عن صاحبها "إن فيه قوة تسقط الأسوار".

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق